هيثم طفيلي

روائي وكاتب مسرحي سوري

بلادنا ... بلاد المليون أعجوبة

بلادنا "الجميلة" منسية كأحلام الأيتام وكئيبة كحزن الأرامل.

آدم: هذه المدن حين تلبس الثلج والمطر كفيروز حين تلبس الأبيض، تتحول من قديسة إلى ملاك ... هذه البلاد أعجوبة من الجمال.

حواء: لسوء الحظ أنها تملك أكثر من أعجوبة الجمال، إنها بلاد العجائب.

آدم: وما هي عجائبها؟ وهل ستعددين لي أهرامات مصر ومغارة جعيتا، وبيوت دمشق القديمة ومسرح قرطاج ، وأعمدة البتراء وقبة الصخرة؟

حواء: هذه العجائب تكحل عيون البلاد وتزينها، أما أنا فأقصد تلك العجائب التي تضربها على عينيها وتدميها.

آدم: سمِ لي واحدة من أعاجيبها

حواء: في بلادنا "الجميلة" ناطحات سحاب من الألسن وحصى صغيرة من الفكر، انشغال البلاد والعباد بحياة ذبابة بينما الدب يأكل عسل النحل، قصور رياء لله يتكئ فيها الشيطان مرتاحاً بينما ينام أحبة الله "الفقراء" على الأرصفة. في بلادنا "الجميلة" نستيقظ متأخرين ونشرب القهوة ونفطر متأخرين،  نتعلم متأخرين ونذهب إلى العمل متأخرين، نلقي السلام على بعضنا متأخرين ونتناقش متأخرين، نحضر الحفلة كآخر الحاضرين ثم ننام باكراً، باكراً جداً ....في بلادنا "الجميلة" نعيش بلا ساعة ولا زمن. نسينا الماضي وبعنا المستقبل وقبلنا فتات الحاضر.

آدم: على مهلك، قلتُ لك سم لي واحدة فقط.

حواء: لا يملك الإنسان من بكائه إلا أول دموعه، لذا أرجوك اسمعني، فحضن الشاكي أذن تستمع له.

آدم: أذني حضنك.

حواء: بلادنا "الجميلة" منسية كأحلام الأيتام وكئيبة كحزن الأرامل، ضائعة كذاكرة العجائز وخاسرة كرجل بقدم واحدة يسابق سيارة. في بلادنا "الجميلة" كلما علت شجرة جشع للأغنياء تقزمت أحلام ألف فقير وكلما اشتد عود ظالم أٌقيم الحد على الضعفاء بألف ألف جلدة.

آدم: كأنك تقولين ألا قانون في هذه البلاد؟

حواء: قانوننا كريم حين يغدق على الظالمين وسارق كلما رأى مسكيناً، خجول حين يحاكم المجرمين ووقح حين يشنق المتذمرين.

آدم: أكملي، فولله إن بلادنا تملك مليون أعجوبة.

حواء: في بلادنا "الجميلة" تموت السلطة من كثرة الفشل والكذب، ويموت الشعب من الصبر والتصفيق، وإذا حدث يوماً وتوقف عن التصفيق واحتج متذمراً وقف أصحاب القرار وأقالوا الشعب اللئيم. ففي بلادنا لم يحدث يوماً أن صارت "استقالة" وإن حدث وفاحت رائحة فاسد وصار غير قابل للتدوير والتلميع أقالوا صاحبها مع براءة ذمة وشهادة حسن سلوك وأتوا بدلاً منه بملعون أكبر.

آدم: في بلادنا إذا حدث وخانت الحروب تجارها وتوقفت، مات لصوصها من التخمة .... في بلادنا ينجو الشعب من حرب وحرب ثم يموت من البرد، من الجوع، من القهر.

حواء: في بلادنا التي كانت جميلة مليون أعجوبة.

آدم: أصارت البلاد بأعاجيبها قبيحة؟

حواء: إننا أبناء هذه البلاد، وأمي مهما هرمت وخرفت ستبقى جميلة.