قمة معادية لإيران قصيرة شوكتها

ما يُطلق عليها "قمة الأحلام" بين نتانياهو وترامب في واشنطن، تراهن على التوصل إلى خطة أميركية ــ إسرائيلية ــ عربية لمواجهة إيران. لكنها لا تعدو عن كونها عودة إلى تجريب المجرّب.
الموضع الأساس على طاولة البحث بين ترامب ونتانياهو هو الملف الإيراني
الموضع الأساس على طاولة البحث بين ترامب ونتانياهو هو الملف الإيراني
قد يكون بين أهم موضوعات نتانياهو مع دونالد ترامب في واشنطن، أجواء الفرج التي راهنت عليها اسرائيل برحيل الرئيس باراك أوباما. فما تسميه إسرائيل ثماني سنوات عجاف أثناء ولايتي أوباما، يتوقع نتانياهو أن تليها سنوات عسل ولوز مع الإدارة الأميركية الجديدة. فترامب تماهى في أثناء حملته الانتخابية مع إسرائيل، تماهي العنصرية الأميركية البيضاء التي احتلت أراضي "الهنود الحمر" وأنشأت حضارتها العرقية بإبادة أعراق القارة من السكان الأصليين الذين تسميهم العنصرية البيضاء "برابرة". وفي أغلب الظن أن الاحتلال الإسرائيلي يتماهى في عمقه مع أميركا الشمالية في أعتى عنصريتها الفاشية لشبه عضوي وطيد بين الاحتلالين. 
في هذا السياق أخذ ترامب من إسرائيل محوراً خاصاً في خطة مواجهة أوباما واتهامه "بالرخاوة التي أفقدت أميركا هيبتها وعظمتها". فكال ترامب وعود استعادة الهيبة، في نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة، وفي دعم المستوطنات وتجريم حركة المقاطعة في أميركا بتهمة العداء للسامية. فضلاً عن زيادة الدعم و"حماية أمنها القومي من الخطر الإيراني". لكن مجمل هذه الأجواء في الحديث عن استعادة الهيبتين الأميركية والإسرائيلية معقودة بنواصي العودة إلى مرحلة الإدارة الأميركية في عهد باراك أوباما التي سعت إلى شنّ الحرب على إيران مع إسرائيل ودول خليجية ولم تفلح. 
ما يتوقعه وزير نتانياهو "تساحي هنبغي" مما يسميه "قمة الأحلام"، قد يكون على طاولة المباحثات بين ترامب ونتانياهو عرّضياً. فسحب عبارة "حل الدولتين" من التداول الاميركي كما يتوعّد بالزلزال زعيم البيت اليهودي "نفتالي بينيت"، ليس داهماً طالما أن "حل الدولتين" عبارة عن حبر على ورق. كما أن مباركة ترامب لمستعمرات الاستيطان ليست أولوية طالما أن بيانات الإدانة الأميركية والأوروبية كلام في كلام. وقد خفّف نتانياهو من وقع هذه الآمال في دعوته إلى "التصرف مع ترامب بحكمة". وقد تكون الحكمة بالالتفاف على ما وصف بالتراجع الأنيق حين أشار ترامب بأن "الاستيطان لا يساعد التوصل إلى تسوية. وفي هذه الحال يمكن التفاهم بين ترامب ونتانياهو على ضم ما تصفه "بغلاف القدس" على سبيل المثال. كما يمكن التفاهم الضمني على درس نقل السفارة وغيرها. فمثل هذه الملفات لا يعترضها ترامب كما لم تعترضها إدارة أوباما والاتحاد الأوروبي على الرغم من تسجيل الاعتراض عليها. 
الموضع الأساس على طاولة البحث بين ترامب ونتانياهو هو الملف الإيراني كما تؤكد صحيفة "يسرائيل هيوم" التي أجرت مقابلة مع ترامب وسرّب عبرها رسالة "التراجع الأنيق" عن نقل السفارة ودعم الاستيطان من دون حدود. فصاحبها "شيلدون أديلسون" هو بين أشدّ الداعمين لترامب سياسياً ومتبرع بـ 125 مليون دولار لحملته الانتخابية. وفي الموضوع الأساس تذكر الصحيفة أنه ينقسم إلى ثلاث نقاط هي : تنسيق الضغط على إيران، ومنع التواجد الإيراني في سوريا بأي تسوية مع روسيا، وتنسيق العمل بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية. وهو ما وصفه وزير الخارجية الأميركية "ريكس تيليرسون" بخطة شاملة أمنية وسياسية واقتصادية لتقوية العلاقات الثنائية. 
ولا تقتصر خطة العمل ضد إيران على تنسيق العلاقات الثنائية، بحسب مركز الأبحاث القومي الإسرائيلي الذي وصف مديره الجنرال "عاموس يادلين" خطة العمل بأنها تهدف إلى ما سماه "تهيئة البيئة الإقليمية" لمواجهة إيران. وبين هذه المساعي بحسب تقرير مركز الأبحاث دعوة ترامب إلى مؤتمر إقليمي بين إسرائيل ودول الاعتدال العربي. وإذا لم تنجح هذه التحضيرات يمكن الاستعاضة عنها بتوطيد العلاقات الثنائية بين كل بلد عربي معتدل وإسرائيل. لكن في كل الأحوال تقوم إدارة ترامب بجهود استخبارية بحسب التقرير، تشارك فيها اسرائيل ودول الاعتدال ضد إيران وضد ما يسميه التقرير "الأذرع الإيرانية في المنطقة". 
مجلة "بوليتيكو" الأميركية تكشف أن خطة العمل تدخل حيّز التنفيذ تحت إشراف صهر ترامب المكلف بالملف الإسرائيلي "جارد كوشنير" الذي يحضر القمة وفي أروقتها. وبناء على نصيحة مرشده الحاخام الأميركي "شمولي بوشاتش"، هندس كوشنير تراجع ترامب عن نقل السفارة وعن المجاهرة بدعم الاستيطان أملاً بتسهيل انضمام العرب إلى خطة العمل والاعراب عن استعدادهم للقيام بالمزيد، وفق "دينيس روس". 
وقد أجرى الصهر ما يلزم من اتصالات ومشاورات مع الدول المعنية، كما تؤكد المجلة وربما يدخل إشهار الوسيط القطري محمد العمادي بالتطبيع مع إسرائيل ضمن بند من البنود. لكن ما يجري الإعداد له في واشنطن وإسرائيل وبعض الدول العربية، جرى مثله وأشدّ في العقوبات وفي التنسيق السياسي والاستخباري وفي الإعداد للعدوان على إيران قبل الاتفاق النووي. وحين تكاد الاستعدادات أن تصل إلى خواتيمها كان يُطرح السؤال من دون إجابة: وماذا عن اليوم التالي للعدوان؟ ويبدو أن الأطراف نفسها تحاول بعنجهية ناتئة العودة إلى المربع الأول من دون أن تجد أي ملامح إجابة عن اليوم التالي ولكل امرء من دهره ما تعودا.