ثمن الشراكة بين ترامب والسعودية

الأمير محمد بن سلمان الذي يكتشف في واشنطن احترام دونالد ترامب للدين الاسلامي، يأمل بحماية أميركية حاسمة. لكن ترامب يطلب استملاك السعودية مقابل الأتعاب.
مقابل شراكة الأجداد، يتفق الأحفاد على شراكة أخرى للنفط مقابل الحماية الأمنية.
مقابل شراكة الأجداد، يتفق الأحفاد على شراكة أخرى للنفط مقابل الحماية الأمنية.
موافقة الأمير محمد بن سلمان على استملاك الشركات الأميركية النفط والأراضي السعودية، قفزت بعيداً عما قدمه جدّه الملك عبد العزيز للأميركيين مقابل حماية المُلك. فالجدّ الذي أبرم اتفاقية سرّية مع فرانكلين روزفيلت العام 1945، رفض أن تستملك أميركا أراضٍ في السعودية وأي من أعمال وحقول شركة "أرامكو". لكنه سمح بالإكراء لمدة 60 سنة حيث تم تجديد الاتفاقية العام 2005 لستين سنة أخرى تنتهي في العام 2065.

كان روزفيلت عائداً من مالطا حين التقى الملك عبد العزيز على متن الطرّاد " كوينسي" في البحيرات المرّة بقناة السويس، لكنه خطّط لأول اتفاقية استراتيجية طويلة الأمد مع السعودية، عُرفت باسم اتفاقية النفط مقابل الحماية الأمنية. وهي ترتكز على تعهّد سعودي بتأمين امدادات النفط إلى الولايات المتحدة، مقابل تعهّد أميركي "بأن الاستقرار في السعودية جزء لا يتجزأ من المصالح الحيوية الأميركية".

مقابل شراكة الأجداد، يتفق الأحفاد على شراكة أخرى للنفط مقابل الحماية الأمنية. ويصفونها بأنها "شراكة استراتيجية قويّة ودائمة على أساس المصالح المشتركة". وفي المتفرعات يطلب ترامب من السعودية انتقال أموال النفط "للاستثمار" في الأسواق الأميركية وفي الصناديق السيادية على وجه الخصوص كجزء من الاحتياط المالي الأميركي. بموازاة ذلك تشجّع السعودية الشركات الأميركية "بشكل استثنائي وكبير" (بحسب النص) على استملاكات في السعودية تقدّر بمئتي مليار دولار، وعلى بيع شركة "أرامكو" في طرح أولي بحوالي 100 مليار دولار من الأسهم. وهذا الأمر يمكن أن يؤدي إلى سيطرة الشركات الأميركية على المرافق الحيوية في السعودية، وربما يصل على المدى الأبعد إلى أن تفقد السعودية ما يمكن أن تقايض به الولايات المتحدة للحصول على الحماية الأمنية.

هذه المغامرة التي تهدّد المُلك في السعودية بمخاطر وجودية، تبدو للحكم السعودي أقل خطورة من التهديد الإيراني "في زعزعة استقرار المنطقة" كما نقلت وكالة "بلومبورغ" عن أحد مستشاري محمد بن سلمان. وقد تكون هذه المغامرة هي كلفة ضرورية "للتصدي لأنشطة طهران". فإيران على ما يقول مستشار الأمير تدعم الارهاب مثل القاعدة و"داعش" وحزب الله، وهي تقف في وجه أي حل للمشكلة الفلسطينية "لأنها تحاول كسب شرعية المسلمين" بحسب تعبيره. وفي هذا الشأن جرى تطابق تام بشأن خطورة التحركات التوسعية الإيرانية، بين ترامب وابن سلمان. وهو "نقطة تحوّل تاريخي" بفضل استيعاب ترامب ورؤية ترامب الواضحة لمشكلات المنطقة، بحسب البيان السعودي.

لكن كيف يمكن ترجمة هذا التطابق التام بين ترامب والسعودية في التصدّي للتهديد الإيراني؟ فالاتفاق النووي الذي يصفه كل من ترامب ومحمد بن سلمان بأنه "سيء للغاية وشكل صدمة للمنطقة"، هو أمر واقع غير قابل للعودة به إلى الوراء من دون معجزة لإعادة المعادلات الدولية إلى ظروف باتت وراء المعادلات الجديدة. وأمام هذا الطريق المسدود، ربما يأمل ابن سلمان دعماً عسكرياً أميركياً لتحقيق نصر عسكري في اليمن من دون أن يظهر من معالمه غير زيادة بيع الأسلحة للسعودية.

ما هو قابل للشراكة الملموسة بين ترامب والسعودية، قد يكون في إطار مساعي ترامب لما يسميه القضاء على "داعش" في سوريا ومعركة الرقة. وفي هذا الصدد تطمح السعودية كما يطمح ترامب إلى تأهيل قوة عسكرية من دول "التحالف الإسلامي"، ومساعدة "التحالف الدولي" بعديد يصل إلى أربعين ألف جندي. فوزير الخارجية الأميركي "ريكس تيلرسون" تطرّق إلى بحث هذا الأمر مع وزير الخارجية الإماراتي، وتابع "جاريد كوشنير" المتابعة مع الحلفاء في الخليج. فترامب يقول على الملأ إن تكاليف العملية العسكرية الاميركية في سوريا والرقة، هي على عاتق دول الخليج بالصيغة الملائمة. وولي ولي العهد السعودي يكتشف في واشنطن، فضلاً عن رؤية ترامب الراجحة والثاقبة، أنه يكن بالفطرة احتراماً لا حدود له للمسلمين.