منابر اليمين المحافظ.. درع الحماية الحصين لترامب

تمضي المؤسسة الحاكمة في الولايات المتحدة بأخطبوطها الإعلامي في تشكيل الرأي العام العالمي لخدمة المصالح الأميركية، ومن غير المتوقع أن يطرأ تغيير جوهري على ذلك البعد، أما في الداخل فقد برز اليمين المحافظ بقوة أكبر واتساع أشمل وموارد أوفر كقطب مركزي وهام في منظومة الاستراتيجية الأميركية العليا.
تفوقت شبكة "فوكس" اليمينية على غيرها من شبكات التلفزة الأميركية بعدد المشاهدين
تفوقت شبكة "فوكس" اليمينية على غيرها من شبكات التلفزة الأميركية بعدد المشاهدين
ترامب وحزبه الجمهوري تعرضا لنكساتٍ سياسية منذ مطلع العام الجاري أخذت فعلها في تشكيل الوعي العام؛ سيل لا ينقطع من الاتهامات بعلاقات مشبوهة لترامب مع روسيا؛ فشله وحزبه في الوفاء بوعد إلغاء برنامج الرعاية الصحية الشامل (اوباماكير)، مؤشرات مبهمة ومتباينة لتوجهات السياسة الخارجية، ملابسات قوانين الحد من الهجرة وما رافقها من تجليات وممارسات عنصرية فجة، والجدل الغاضب الذي رافق إقالة ترامب لمدير مكتب الأف بي آي، جيمس كومي.

الرئيس لا يترك مناسبة إلا ويذّكر الجمهور بخطأ حسابات وتوقعات الأخطبوط الإعلامي، محفزاً أنصاره ومؤيديه على الإقلاع عن اللحاق بركب سردية المؤسسة الرسمية التي يتهمها بالفبركة والتزييف.

تلجأ مؤسسات استطلاع الرأي الخاصة إلى عينة عشوائية من أصحاب الرأي استناداً لمواصفات مسبقة ومعدة بعناية. يشار أيضاً إلى التقسيم الإداري والإنتخابي الذي طرأ على الخريطة الإنتخابية منذ آخر إحصاء سكاني، عام 2010، وتوزيع الناخبين على دوائر تحابي الحزب الجمهوري في مناطق الكثافة السكانية، ثمرةً لتخطيطٍ دقيق وتمويلٍ وفير. لذا فإن العينات المستطلعة تخضع أيضاً لتلك المواصفات وباستطاعة أي من المعنيين تطويع النتائج لتخدم أهدافاً محددة، في أغلب الأحيان.

مناسبة هذه المقدمة هي الاستطلاعات الأخيرة التي نُشرت نتائجها في الأسبوع الثاني من تموز/يوليو الجاري، وتشير إلى "ثبات مؤشر الرضا عن سياسات ترامب عند نحو 40 نقطة مئوية".

واستطراداً، يمكن الاستنتاج بأن الأغلبية، نحو 60%، غير راضية عن أدائه، وتقفز معظم الوسائل الإعلامية عن حقيقة ارتفاع طفيف في "شعبية ترامب" في شهر شباط/فبراير الماضي، من 16% إلى 17.9%.

وانفردت أسبوعية "نيوزويك"، في عددها الصادر في 12 تموز/يوليو، بالإشارة إلى "ارتفاع مؤشر الرضا عن سياسات ترامب بين صفوف مؤيديه ومناصريه"، وواصلت أن منسوب الارتفاع الطفيف، 39,3%، أو اعتراض الأغلبية، لا يعد استثناءً للقاعدة؛ ولم يسبقه لتلك النسب المتدنية إلا الرئيس الأسبق جيرالد فورد، بسب تداعيات فضيحة ووترغيت وملابساتها، لإصداره قرار العفو الرئاسي عن بطلها الرئيس المستقيل نيكسون.

يجهد المرء في إيجاد تفسير منطقي لثبات مؤيدي ترامب عند ذات النسبة التي فاز بها، تقريباً، بينما تضخ وسائل الإعلام بكثافة وتركيز عناوين واتهامات لترامب بعلاقات مشبوهة مع روسيا.

أحد أبعاد التفسير نجده في تباين نوعية التغطية الإعلامية الأميركية في الداخل مقابل ما تنشره في الخارج، شبكة "سي إن إن" بفرعيها المحلي والدولي، فضلاً عن البون الواسع بين اهتمامات الشعب الأميركي، بشكل عام، والشعوب الأخرى التي تتأثر مباشرة بالسياسات الأميركية.

بعض تجليات نوعية المصادر الإخبارية التي يعتمد عليها الأميركيون نجده في استطلاع لأداء الشبكات الإعلامية، 26 حزيران/يونيو – 2 تموز/يوليو الجاري، مبيناً صدارة شبكة "فوكس نيوز" (اليمينية) بين المشاهدين وتفوقها على الشبكة الإخبارية الأولى؛ سي إن إن، التي جاءت في المرتبة 13.

الاستنتاج المنطقي يقودنا إلى أن الأغلبية تحجم عن مشاهدة ومتابعة القنوات الإخبارية الصرفة وتميل للارتكاز على شبكة "فوكس" فيما تطمح إليه من معلومات.

ويشير بعض الإعلاميين إلى زاوية أخرى في تراجع شعبية الشبكة الرائدة في عالم التلفزيون، مردها تصدرها للحملة السلبية على الرئيس ترامب، بعض سردياتها عانى من المبالغة وعدم الدقة؛ والأهم ما يجري تداوله من شريط مصور يضم عدداً من كبار منتجي برامج الشبكة عينها يقرون فيه بوعيٍ تام أن بعض برامج تغطية ترامب كانت كاذبة.

حال الشبكة المرئية ليس استثناءاً في بيئة إعلامية شديدة التنافس والاحتكار، وما ارتكبته من "أخطاء" تعرضت لها أيضاً الوسائل المقروءة الكبرى: "نيويورك تايمز" و "واشنطن بوست"، دفعت أثمانها في تراجع أعداد قرائها وربما مدخولها المالي من الإعلانات.


منابر منظمة بتمويل وفير

الإنكفاء النسبي عن وسائل الإعلام الرئيسة أدى بالجمهور المتابع إلى الالتفاف حول منابر اليمين والمحافظين لتلقي الأخبار، لا سيما شبكة فوكس، التي سجلت مليوني مشاهد يومياً في الأسبوع الأول من الشهر الجاري، وإلى صحيفة "واشنطن تايمز"، فضلاً عن الإنتاج الغزير في النشرات الأسبوعية والمدونات الالكترونية.

يشار إلى أن تلك المجموعة من الموارد الإعلامية التابعة لليمين تسير في فلك مهني منظّم استطاعت التصدي بنجاح لحملات الاتهام للمرشح ترامب، وتعبئة قواعد مؤيديه.

أداء الوسائل الرئيسة انعكس سلباً عليها في قضايا سياسية حساسة، وأفادت نتائج استطلاع رأي مؤخراً أن نسبة 25% من الأميركيين تشك في خرق الرئيس ترامب للقوانين الأميركية، على خلفية اتهامه بالتعاون مع روسيا.

ارتفاع أعداد المشاهدين والمستمعين للوسائل اليمينية يضم أيضاً شبكات وبرامج الراديو. من أبرز المعلقين وأشهرهم من المحافظين الإذاعي المخضرم راش ليمبو، إذ تصل دائرة جمهور مستمعيه إلى 26 مليوناً في الأسبوع. بالمقابل، فإن أعلى نسبة جمهور برامج الراديو للتيار الليبرالي لا تتجاوز مليوني مستمع، وفق الاحصائيات المتوفرة.

يعد راش ليمبو الأب الروحي لبرامج الراديو الحوارية، ويستند إلى خبرة طويلة شارف على إسدال الستارة عن 30 عاماً متواصلة في المهنة. خطابه يرسي بوصلة التوجهات السياسية بين أقطاب اليمين والمحافظين، ويُبث برنامجه عبر 600 محطة راديو، لثلاث ساعات يومياً، من الاثنين للجمعة من كل أسبوع.

كما أن موارد الشبكة الالكترونية جرى تسخيرها بفعالية عالية خدمةً لخطاب اليمين المحافظ. على سبيل المثال يعد "درادج ريبورت" الالكتروني مصدراً أساسياً للمتابعين، وهو عبارة عن ملخص للأنباء يجري إعداده من مصادر متعددة، يصل معدل زواره نحو مليار شهرياً. يشار إلى أن الموقع كان من أوائل الوسائل الإعلامية في نشر فضيحة الرئيس الأسبق بيل كلينتون مع المتدربة في البيت الأبيض مونيكا لوينسكي "بعد قرار أسبوعية "نيوزويك" التحفظ على القضية."

هناك أيضا سلسلة من المواقع الالكترونية التي تندرج تحت امبراطورية اليمين، من أبرزها: "انفو وورز"، علامته التجارية الترويج لنظرية المؤامرة، يخاطب الجيل الناشئ بالدرجة الأولى ويصل جمهور متابعية لنحو 5.5 مليون في الشهر؛ وكذلك "بريتبارت" الذي كان يرأسه مستشار ترامب ستيف بانون.

فعالية وشهرة المواقع أعلاه جاء أيضاً على حساب المنابر التقليدية للمحافظين، لا سيما أسبوعية "ناشيونال ريفيو" التي تخاطب النخب الفكرية والثرية، تراجع جمهورها إلى 2.7 مليون في الشهر. حافظت الأسبوعية على بقاء مسافة بينها وبين ترامب، بل انتقدت تصريحاته الشعبوية خلال الحملة الانتخابية.

الموارد المخصصة لتلك المنابر مجتمعة تخاطب الفرد الأميركي بالدرجة الأولى، ولا تكترث لمخاطبة الجمهور العالمي كما هو الأمر مع المنابر الرئيسة مثل شبكة "سي إن إن" وكبريات الصحف؛ "نيويورك تايمز" و "واشنطن بوست". وهنا يكمن أحد عوامل فعاليتها في عصر صعود الخطاب الشعبوي والتقوقع الداخلي.

في السياق الأشمل، تمضي المؤسسة الحاكمة بأخطبوطها الإعلامي في تشكيل الرأي العام العالمي لخدمة المصالح الأميركية، ومن غير المتوقع أن يطرأ تغيير جوهري على ذلك البعد، أما في الداخل فقد برز اليمين المحافظ بقوة أكبر واتساع أشمل وموارد أوفر كقطب مركزي وهام في منظومة الاستراتيجية الأميركية العليا، يحشد مناصريه بفعالية للاصطفاف خلف مؤسسة الرئاسة، ويُؤمن حصانة غير معهودة لترامب من سيل الفضائح والتخبط.