أوقات متعبة بانتظار بوتين وترامب

رد روسيا على العقوبات كان حاداً وذكياً. من ناحية الشكل لم يأتٍ الرد من بوتين، وذلك لحفظ تناغم الرئيسين، بل أتى على لسان ميدفيديف. وفي المضمون فكان رداً شديد اللهجة: العقوبات "شهادة وفاة لآمال تحسن علاقاتنا". وهي بمثابة "حرب تجارية فعلية وشاملة"، و"توقيع ترامب... أظهر عجز إدارته التام في تسليم الصلاحيات التنفيذية، بالطريقة الأكثر إذلالاً، إلى الكونغرس، وهذا يغير توازن القوى في الدوائر السياسية الأميركية".
ولاية الرئيس الأميركي سوف تكون ربما أشبه بلعبة الجودو
ولاية الرئيس الأميركي سوف تكون ربما أشبه بلعبة الجودو
صحيفة "وول ستريت جورنال" تفصح بشأن العقوبات الجديدة التي فرضها الكونغرس الأميركي ضد روسيا بالقول: "هدفنا جعل روسيا تنزف". وهو ما يعد إجابةً محددة عن إرادة طيفٍ واسعٍ من الفاعلين في واشنطن تجاه موسكو. فهذه القوى المؤثرة لا تُخفي استعدادها للاطاحة بوعود ترامب في حملته الانتخابية الذي أعطى فوزه أملاً للراغبين بتسوية ملفاتٍ خلافية مع روسيا سلمياً، وبالأخص في أوكرانيا وسوريا.

موقف ترامب في هذا الأمر غير مريح على الإطلاق بين رغبته بتنفيذ رؤيته الخاصة في الحكم من جهة؛ وبين حاجته الملحّة لاستقرار رئاسته، ومهادنة القوى المتضررة منه من جهة ثانية. لقد عاد المحافظون الجدد بقوة، فماذا يريدون؟ وكيف يعملون؟

داخلياً، لدى هؤلاء أسلوب عملٍ يستفيد من النظام الدستوري الأميركي، من خلال الانخراط ضمن الثنائية الحزبية، وتشكيل مجموعات ضغط على الإدارة لتحقيق مصالحهم. كما يستخدمون مجموعات ضغط غير حزبية، شديدة التأثير، وأبرزها الماكينات الإعلامية المتجذرة والمؤثرة تاريخياً في توجه الناخبين، بالإضافة إلى المجاميع الاقتصادية وعمادها الشركات الكبرى العابرة للقارات، للسيطرة على الأسواق وخلق أسواقٍ جديدة، وتصريف إنتاج هذه المجاميع (أسلحة، منتجات زراعية، تقنية عالية...) في الساحات التي تفتحها السياسة الخارجية الأميركية حول العالم، عبر الديبلوماسية أو عبر القنابل.

وقد واجه ترامب هاتين الذراعين باعتماده على الإعلام الجديد المجاني، ووعوده بآلاف الوظائف واعادة المصانع إلى البلاد. وتمكن خلال أشهر من توقيع عقودٍ بمليارات الدولارات، توفر الكثير من الوظائف للأميركيين (أبرزها مع السعودية ودول الخليج الأخرى).

أما خارجياً، فقد أصبح أسلوب عمل المحافظين الجدد علامةً مسجلة لهم، وبصمة متكررة ومتنقلة. فهؤلاء يجدون دولة فيها نقاط ضعفٍ مغرية لهم، يوجّهون تركيز الماكينات الإعلامية ضدها، ثم يحرّكون المنظمات المدنية التي يتدرب كوادرها باستمرار، على قيمٍ محددة ووسائل متطورة في المناصرة والمطالبة وتشكيل الرأي العام، وتحويل القضايا الاجتماعية والسياسية إلى قضايا عامة، ويدعمونها بالمال والمكانة. تتحرك هذه المنظمات رافعةً المطالب التي تمثل حاجة الناس الحقيقية، وتضع هؤلاء في مواجهة الدولة التي تصبح أمام معضلة الدفاع عن أمنها القومي، والاستجابة لمطالب محقة تستوجب التنازل عن أجزاء من سيادتها، وتقف خلفها مصلحة خارجية. فإذا اتخذت الدولة الخيار الأول لحفظ أمنها، يتهمونها بانتهاك حقوق الإنسان، ثم يفرضون عليها عقوبات اقتصادية خانقة تحرّك المواطنين ضد خيارات دولتهم، ضمن بيئة يضخ فيها المثقفون المسوَقون أميركياً على أنهم من النخبة أفكارهم حول ضرورة السير بالركب العالمي، وعدم الانعزال والممانعة، وينبش هؤلاء في سبيل ذلك كل مشكلات بلادهم وإحباطاتها وإخفاقاتها ليضعونها أمام الناس العاديين الذين يشعرون بالراحة في جلد الذات والتعبير عن مشكلاتهم. ثم إذا لم يفِ ذلك بالغرض باستسلام الدولة، ينقضّون عليها إما عبر مجلس الأمن، أو عبر حملةٍ عسكريةٍ خاطفة تحمل اسماً رناناً، لا يزول طنينه قبل أن يكون هؤلاء قد استتبعوا هذه الدولة وأحالوها خراباً منهوباً.

وقد تمت محاولة ذلك مع روسيا في العقدين الأخيرين، ولكن هذه المحاولات لم تلقَ نجاحاً يذكر، مع تنبه موسكو لهذه الأساليب، وإخفاق منظمات المجتمع المدني الروسية في الحشد ضد بوتين بعد إصدار قانونٍ يمنع تلقيها تمويلاً من الخارج.

واليوم يعود المحافظون الجدد إلى لغة العقوبات الاقتصادية التي كانت أكثر الأساليب نجاحاً في مواجهة روسيا، فقد أخّرت رزم العقوبات المتكررة نمو روسيا الذي كان حتى عام 2013 متصاعداً بصورة مستمرة مع مؤشرات جد إيجابية. وعلى الرغم من إخفاق هذه العقوبات في زعزعة النظام وإنقاص شعبية بوتين، إلا أنها تبقى أكثر أساليب الصقور الأميركية نجاحاً في مواجهة روسيا.

لقد تمكن المحافظون الجدد من حشد التأييد الساحق لعقوبات اقتصادية وتجارية جديدة ضد موسكو، ما يعدّ ضربة لترامب الذي وقعها مضطراً. والنتيجة عبر عنها ريكس تيليرسون آسفاً بقوله: إن العلاقات الروسية-الأميركية باتت في أدنى مستوى لها منذ الحرب الباردة. وقد أكد الروس ذلك.

وهذا يطرح أسئلة حول محدودية قدرة ترامب، وحول مستقبل الأزمتين الأوكرانية والسورية بصورةٍ خاصة.

في سياسة المحافظين خلط خطر جداً بين المصالح الخاصة وبين تفاعلات العلاقات الدولية. ففيما يخص الأزمة الأوكرانية، ترتفع الأصوات وتنشط النوايا في وزارتي الخارجية والدفاع داعيةً ترامب لإرسال أسلحةٍ فتاكة إلى كييف، وهذا ما دفع باتجاه مواجهة مميتة مع روسيا. أما ترامب ومنصة كليفلاند التي يقودها فيرفضان انخراط أميركا أكثر وارسال أسلحة إلى كييف. ومعنى ذلك أن الأزمة الأوكرانية ستكون مصدراً لمزيدٍ من التوتر المضبوط للعلاقات الأميركية الروسية، ولكن من غير المرجح أن ترسل واشنطن أسلحة فتاكة إلى كييف، لأن النموذج الروسي على التعامل مع ذلك سيكون "جورجيا 2008".

وفي ما يخص الأزمة السورية، فإن الأميركيين لا يملكون قدرةً حقيقية لقلب الأمر الواقع الميداني حيث بات الجيش السوري وحلفاؤه على وشك السيطرة على كل المدن الكبرى، وهم يتجهون لتحرير لفك الحصار عن قواتهم في دير الزور. إلى جانب نجاح صيغة مناطق خفض التوتر، وانخراط القوى الإقليمية الواحدة تلو الاخرى في هذه المساعي. لذلك فإن المرجح حصوله هو أن تبقى الأزمة السورية مصدراً للتوتر في سياق هذه العلاقة بين موسكو وواشنطن أيضاً.

هذا من الناحية الأميركية، أما من ناحية موسكو، فلدى بوتين مجموعة خطوطٍ حمراء: لا خسارة للحرب في أوكرانيا، لا خسارة للحرب في سوريا، لا انزلاق للحرب مع الولايات المتحدة، لا نية لعودة الحرب الباردة معها، لا ضير في تحمل عواقب اللاءات السابقة، مع الجهوزية كل مرة بطريقة. وجهوزية لعلاقات متعبة معها لسنوات إضافية، وانتظار الحلفاء لفرض أمر واقع على الأرض لا رجعة فيه.

رد روسيا على العقوبات كان حاداً وذكياً. من ناحية الشكل لم يأتٍ الرد من بوتين، وذلك لحفظ تناغم الرئيسين، بل أتى على لسان ميدفيديف. وفي المضمون فكان رداً شديد اللهجة: العقوبات "شهادة وفاة لآمال تحسن علاقاتنا". وهي بمثابة "حرب تجارية فعلية وشاملة"، و"توقيع ترامب... أظهر عجز إدارته التام في تسليم الصلاحيات التنفيذية، بالطريقة الأكثر إذلالاً، إلى الكونغرس، وهذا يغير توازن القوى في الدوائر السياسية الأميركية". إلى جانب تقليص عديد العاملين في السفارة الأميركية إلى حوالى الثلث.

ولاية الرئيس الأميركي سوف تكون ربما أشبه بلعبة الجودو، يتحمل فيها أحد الطرفين ثقل الدب الروسي في ميدانيْ أوكرانيا وسوريا، بينما يتحمل الآخر ثقل فيل المحافظين الجدد على شكل عقوباتٍ اقتصادية مؤذية.