حين تقرأ..

الغوص في غمار القراءة والكتابة لا يحتاج أديباً متمرساً، جميعنا نستطيع أن نقرأ، وربما نكتب، جميعنا نستطيع توسيع أفق تفكيرنا كي نرى العالم من منظار أوسع، القراءة غذاء للروح، تمرين لعضلة العطاء.

القراءة غذاء للروح، لا عمر لها
القراءة غذاء للروح، لا عمر لها

أن نقرأ، فهذا لا يعني اننا نتلو مجرد كلمات، أن نقرأ يعني أن نتنزه في عقول الآخرين، نستكشف حضارتهم، نقطف ثمار خبراتهم ونضمها إلى سلة معارفنا، وحينما ننثر الحبر على الورق فنحن لا نكتب فقط، نحن نرسم ونغني، نعترف بعقولنا، نجسد ثقافتنا وثقافة بلادنا. وأن نقوم بالفعلين فنحن نبني أرضية ثقافية خصبة، لا تزيلها رياح الجهل مهما علت.

القراءة مفتاح العلم، جواز العبور إلى عالم الآخر، عالم تتعرف فيه إلى تاريخ من مضوا، تستخلص الدروس وتقترب من المعارف التي ستوصلك يوماً ما إلى المعرفة، تضع عينك على الحقائق التي ستريك أن الحقيقة في آخر النفق آتية لا محالة.

لا يخفى على أحد تراجع معدّل القراءة عند غالبية الشباب العربي، هذا وإن دل على شيء فإنه يدل على انحلال ثقافة جيل بناها بالأصل أسلافهم.

وبما أن القارئ العربي قارئ غير نهم، تقبع الكتب على الرفوف ويعتليها غبار الجهل، فنبتعد عن عالم التصدير الثقافي لنصبح متلّقين من الدرجة الأولى. والشعوب المتلقية فقط هي بالضرورة شعوب خاضعة لسيطرة المصدّر ولن تنال حرّيتها إلا حين تصبح منتجة للثقافة.
أمام أزمة مزدوجة بين النص والقراءة عبّر الكاتب التونسي كمال الرياحي عبر برنامج مترو عن مخاوفه على مستقبل النص العربي. وأكد أن الكتابة تعني قطع الطريق على السائد. "أن تكتب يعني أن تعيد تشكيل العالم بتدميره، أن تدمر هذا العالم القبيح وربما الجميل - الجميل أكثر من اللازم- لكي تخلق جمالية أخرى، كي تخلق مشهداً جديداً".

وفق الرياحي فإن "أول خطوة في أن تصلح شيئاً هو أن تواجهه، أن تكون مرآة تعكس مدى بشاعته، أو ربما مرآة مقعرة تضخم  هذه التشوهات لكي نواجهها، لا بد أن نحترف وهذه مسؤولية الكاتب". 

وأضاف الكاتب التونسي أنه "ومنذ نكسة ٦٧ دخل النص العربي في أزمة كبرى لأنه ترهل، أصبح مليئاً بالشحوم" مؤكداً "أن الكتابة تحتاج جهداً عضلياً أيضاً قبل أن تكون جهداً ذهنياً، والكاتب العربي يدخل الكتابة بمخيلة متشحمة" وهذه هي من وجهة نظره أزمة النص مشيراً إلى "أن الجسد الذي لا يتألم هو جسد ميت ولذلك عندما نعي أن هناك أزمة يعني أننا ما زلنا على قيد الحياة".

الغوص في غمار القراءة والكتابة لا يحتاج أديباً متمرساً، جميعنا نستطيع أن نقرأ، وربما نكتب، جميعنا نستطيع توسيع أفق تفكيرنا كي نرى العالم من منظار أوسع، القراءة غذاء للروح، تمرين لعضلة العطاء.

حين تقرأ ستفهم مجتمعك أكثر، ستنادي بتغيره إلى الأفضل، ستشعر بمشاكلك عن قرب وتسعى لحلها وتغييرها وبالتالي تغير مجتمعك. ستكون نعم الأب ونعم الصديق، ستكونين الأم القدوة والإبنة الناجحة.  

حين تقرأ ستتعرف إلى نزار عن قرب، وتصفق لنيوتن، ستلقي الضوء على سقراط. حين تقرأ ستعيش مرتين، حاملاً ثقافات العالم من شرقه إلى غربه.