قل لي ماذا تكتب، أقل لك من أنت

الكتابة تعبر عنك، عن واقعك، عن حلمك الذي قد لا يتحقق إلا على فراش ورقة، لا تكتب لتملأ سطراً، اكتب لتكسر حدود هذا العالم بقلم وريشة، بسطر وقصيدة.

الكتابة تعبر عن ذاتك، اكتب لترتقي
الكتابة تعبر عن ذاتك، اكتب لترتقي

مساحة للإنطلاق نحو عوالم لا يمكن أن تطأها قدم، ولا يراها بصر، يمكنك أن ترقص الغومبا مع الهنود الحمر، أن تعيش حروب المغول وتستنشق عطر حضارتهم، أن تدخل التاريخ من شباكه، تتسلق جدرانه لتلقي على بلقيس التحية، أن تغوص في أعماق زرقة الحبر، وتسمع أغنية صينية بألحان مصرية آتية من بلاد العم سام، يمكنك أن تقطف قرص الشمس وتأكله بارداً على وقع مشاعرك الملتهبة.

هناك، في دستور المحابر، أنت الماء، أنت المحار والأصداف، أنت الغصن والشجرة، أنت العاشق والمعشوق، القاتل والضحية.

 عالمٌ تعيش فيه وتستقطب إليه القارئين ليعيشوا معك، لا يمكنهم أن يتركوا سطورك إلا حين تقرر أنت النهاية. كل ما تحتاج إليه في رحلتك هذه، قلم، وورقة، وحس إبداعي يرافقك في رحلتك إلى عالم الكتابة.

الكتابة من فعل " كَتَبَ" وهي وسيلة تواصل بين البشر، وأداة اتصال الحاضر بالماضي، والقريب بالبعيد، ونقل المعرفة والثقافة عبر الزمان والمكان. كان مصطلح "الكاتب" يُطلق على كل من احترف اللغة العربية والكتابة فيها دونما أخطاء، لكن الكتابة تطورت بتطور التكنولوجيا  فتوسعت المجالات الكتابية وتنوعت، وأصبح لا بد من خلق تعريف جديد لتلك الحالة التي تجعلك تقرأ نصاً دون غيره، وأن تجد له معنى جديد في كل مرة جديدة تقرأه فيها.

 نصوص غنية بالخيالات الخصبة، تخرج عن المألوف، تأخذك الى حيث يريد الكاتب، وتعود بك ظمأن إلى المزيد من ماء محبرته، وجمال تعابيره، إنها الكتابة الإبداعية.

 "الإبداع هو مسيرة جهد وعمل ويحتاج صقلاً بشكل دائم، من هنا فإن دراسة "الكتابة الإبداعية" تجعل الشخص قادراً على "إخراج" مكنوناته والخروج عن المألوف، مفهوم الكتابة الإبداعية ليس المقصود به "الكتابة" كفعل في حد ذاته، إنها فكرة "المساعدة" على الكتابة، تعبيد الطريق لإخراج "الإبداع" من الشخص في حد ذاته، وتدريبه على أن يحقق "المنتظر" منه. هكذا عرّف الكاتب عبد الرحمن جاسم الكتابة الأبداعية وهو استاذ المادة في بيروت.

 الإبداع ليس الأختلاف فقط، بل إن هدفه التطوير والتحديث وإخراج "غير المعتاد" الجميل. يؤكد الجاسم بأن الفشل أستاذ جيّد، يجعلك تقف أمام أخطائك لدراستها بعيداً عن "الخوف". ويفتح عقلك وقلبك وروحك أيضاً للجديد.

 الإبداع يجلب البهجة والسعادة، من هنا فإن البحث عن الإبداع هو بحث عن الفرح أيضاً، الإبداع لا يحده عمر، أو مكان أو مهنة، والأمثلة على ذلك كثيرة، زكريا تامر (المبدع والقاص السوري) كان يعمل  في الحدادة، ومع هذا عمل في الكتابة وأبدع فيها، حنا مينا (الروائي السوري المعروف) حلاق وكذلك أبدع ولمع، محمد شكري الكاتب المغربي الكبير تعلّم القراءة والكتابة وهو في الأربعين من عمره وحالما تعلّم الكتابة كتب الرواية ولمع فيها؛ ياسوناري كواباتا الكاتب الياباني والحائز على جائزة نوبل للأداب بدأ بالكتابة في عقده الخامس من العمر، واللائحة تطول..

 تدرّس الكتابة الإبداعية في ورش تدريب في أكثر من منطقة عربية، ومنها لبنان، لكن الإقبال عليها لا يزال خجولاً بعض الشيء، يعود ذلك الى جهل الناس بأهميتها وعدم معرفتهم بقدرة مثل هذه الدورات على صياغة مفهوم جديد للإنتاج الأدبي. وجذب القارئ بخمس حواسه للقراءة وعشق اللغة ايضاً.

تلامس الكتابة الإبداعية أطراف القلب، فيأخذك الكاتب حيث يعيش قلمه، تعيش ظروفه وهمومه، تسكن أفكاره، تحبس أنفاسك في رحلته، وتطلق تنهيدة إعجاب عند انتهائك من التهاف كلماته الرشيقة، تطلب من خيال الكاتب ومن قلمه المزيد، يسمح لك التجوال في معترك كلماته فتنتهي من القراءة، لتبدأ بتخيل نفسك مكانه أو معه، فتعيد النص مرة تلو الاخرى، وهنا يتميز النص الذي يتحلى بمكونات إبداعية دون غيره.

 اجاد المحامي والكاتب جهاد مطر حين وصف الكتابة في كتابه "أعيريني أصابعكِ" فقال : " إن كنت ثرياً  وتكتب ستمتلك ما يفوق ثروتك، ما يزيدُ من رصيدك، كلمتك رصيدك، لا تودع في البنوك، تفرّغ على الورق، تُحفظ في القلوب، تُستثمر في العقول، إن كنت فقيراً ستستخف بما لدى الأثرياء يسكنون قصوراً، تسكنُ معلقات، يركبون سياراتٍ، تركب روايات، يلبسون زياً فاخراً، تلبس آلاف الكلمات، يسوحون في مدن الواقع، تقيم في مدن الخيال، لا يبلغون السحاب، تحت أصابعك تُمطر.

 فما بالك بشمس التبريزي حين يأخذك معه حيث الحب، وفي طريقه، يعلمك اربعين طريقة للعشق والسفر، "لا يوجد فرق كبير بين الشرق والغرب،الجنوب والشمال، فمهما كانت وجهتك، يجب أن تجعل الرحلة التي تقوم بها رحلة في داخلك، فإذا سافرت في داخلك، فسيكون بوسعك اجتياز العالم الشاسع وما وراءه".

وحين يُضحك قلبك زكريا تامر فيقول: في يوم من الأيام، اقتحم رجال الشرطة بيتنا، وبحثوا عنّي وعن زوجتي، ولم يتمكنوا من العثور علينا لأنّي تحوّلت مشجبًا، وتحوّلت زوجتي أريكة يطيب الجلوس عليها، وضحكنا كثيرًا عندما خرجوا من البيت خائبين".

الكتابة تعبر عنك، عن واقعك، عن حلمك الذي قد لا يتحقق إلا على فراش ورقة، لا تكتب لتملأ سطراً، اكتب لتكسر حدود هذا العالم بقلم وريشة، بسطر وقصيدة، عطّر كلماتك بنكهات إبداعية تسمح لك أن ترى خارج نطاق الصورة، أن ترمي نظرك أبعد من المشهد، انظر الى أقصى القوم وخاطب قلوبهم، اقرع طبول الحب على مسمع من حرف و كلمة. حطّم اوثان المعتاد، على الورق تستطيع أن تعيش عمرين، لا ترضى بحياة واحدة، احمل هموم فؤادك معك الى صفحتك، اشرح قضايا امتك، افشي كل ما يختلج في نفسك لأوراقك، أعد ترتيب نفسك، وترتيب هذا العالم.

تعالوا نكسر حدود اللغة والقلم،  نخرج عن المألوف ونجتازه، هلموا نثبت للنسخ المتكررة ان واحد زائد  واحد قد يساوي حُباً، وقد يساوي حُلماً، وقد ينتج وجعاً، وربما يخلق قضية تعادي التكرار، وترفع قبعة الاحترام لكل من يخرج عن العادة والمألوف.