"الأصليين": سينما مصرية مختلفة تتجرّأ على قول ما تريد

شكّل الفنانان الشابان المخرج "مروان حامد" (الإبن الوحيد للكاتب الكبير وحيد حامد) والكاتب "أحمد مراد" ثنائياً سينمائياً مبدعاً قدّم إلى الآن ثلاثية نموذجية (الفيل الأزرق، الأصليين، وتراب الماس) لما يجب أن تكون عليه الأفلام المصرية في الفترة المقبلة، وتهيأت لنا فرصة مشاهدة "الأصليين" لتكتمل عندنا لوحة راقية لهما، خصوصاً وأنه يتناول هيمنة جهاز المخابرات على تفاصيل حياة عموم أفراد الشعب، داخل البيت وخارجه على السواء.

الشريط يقدّم هذه الشريحة على أنها خبرت الناس كلهم في كامل تفاصيل حياتهم منذ الولادة، من زمان، منذ نجاح ثورة الضباط الأحرار، بمعنى أن الخبرة التي إكتسبوها جعلت تسمية الأصليين تليق بهم لأن أفرادها يعملون منذ الأزل ، لا أحد قبلهم وبالتالي لم يسبقهم أحد إلى هذا الشرف، مع شعور يقول بأنهم يفعلون ذلك خدمة للشعب ولمصلحته ومنعاً لحصول أي إختراقات قد تُسيء إلى آدمية الناس، وهو ما يجعل هذه المرجعية جديرة بلقب حامية الناس وحاضنة مصالحهم وأحلامهم مهما كبرت. ونأخذ مثالاً ساطعاً على ذلك من خلال الشخصية المحورية في الفيلم "سمير محمود عليوة" (ماجد الكدواني) الموظف الكفء في أحد المصارف والذي يُفاجأ بالإستغناء عن خدماته للتقليل من حجم الإنفاق في المصرف.

"سمير" الذي يُخفي الأمر عن زوجته "ماهيتاب" (كندة علوش) منعاً لفتح نارها عليه، إصطاده رجل يدعى "رشدي أباظة" (خالد الصاوي) وراح يشرح له معنى الوطنية، والإستقلالية، وكيف أن الحياة تستحق الصبر والمعاندة وصولاً إلى الأهداف النبيلة في بناء الإنسان والمواطن وعليه ألاّ يخاف على البدل الشهري الذي كان يتقاضاه من المصرف، لأن الأصليين سيؤمّنون له رقماً أعلى شرط أن يثق بأنه في أيد أمينة وعليه القيام ببعض الواجبات التي تحتمها عليه حاجة البلد إليه فهو يتعاون مع حماة البلد، ويكون المطلوب منه ببساطة شديدة مباشرة العمل معهم في مراقبة نموذج من الناس، داخل مقصورة حديثة التجهيز، تزنرها الشاشات من كل جانب وهي تنقل كامل تفاصيل حياة المدعوة "ثريا جلال" (منة شلبي)، في منزلها أو في شوارع المدينة ومخازنها.

لم تكن حيثيات "ثريا" جديدة على "سمير"الذي ذهل مع بداية تعرّفه على "رشدي" عندما عرض له شريطاً يرصده في منزله في غرفة نومه ومع أولاده ثم في الشارع والسوبرماركت والمصرف وفي أدق المواقف، وكانت الحصيلة أن "سمير"بات مجنداً في صفوف الأصليين الذين جعلوه مقرّباً من "ثريا"، ووُضعا تحت المراقبة الدائمة حتى عندما كانا في ألمانيا فقد كان "سمير"نفسه موجوداً في مطار برلين متخفياً ليراقب مصداقية عمل العميلين الجديدين.

هنا لا بد من الإشادة بالحضور الواعي والدسم والعميق للممثل "الكدواني" الذي ينضم إلى فريق الممثلين المصريين المميزين والرائعين الذين يُعوّل عليهم في الأدوار الكبيرة والمؤثرة. والشريط ممسوك على مدى ساعتين من دون أي تراخ أو خلل.