"كميل سلامة" لم يتقاعد في الـ "64" بل وُلد كبيراً من جديد

  ليل الخميس في 8 شباط/فبراير الجاري، شهدت خشبة مسرح دوار الشمس- الطيونة (جنوب بيروت) حدثاً فنياً إستثنائياً مع "64" العمل المسرحي الجديد للفنان المخضرم "كميل سلامة"، صبّ خلاله جام ملاحظاته وإنفعالاته وآرائه على وضع المواطن العادي في لبنان، بأسلوب راق ومباشر، إستناداً إلى فكرة ساحرة تبدأ من التكوّن في بطن الأم إلى الزمن الحالي من دون القدرة على تبديل شيء، حتى الإنتحار لم يكن مجدياً فالمسدس الذي بحوزته فارغ من الرصاص.

ساد الصالة الرحبة صمت كامل بين الحضور، بينما الحركة والحياة وتداخل الحيثيات سيطرت على الخشبة والخيط الرفيع المتين هو "أبوشوقي" أو "راضي" (سلامة) الذي يعمل في قصر العدل ويتولّى أعمال النظافة في قاعات المحاكم ومع تقدّمه في السن، وضغط الأوضاع العامة والخاصة عليه لا يجد من يحاوره أو يؤنسه سوى "المحرمة" أو الخرقة الصفراء التي يمسح بها غبار المقاعد والمكاتب والخشب في القاعات، ومن هنا تنطلق عملية الفضفضة والبوح لتتفاعل الأجواء مع صوت قاضية يخرق خصوصية "أبوشوقي" المنسجم مع محرمته والصمت الذي كان يلف المكان، والمفارقة أن القاضية (الرائعة رولا بقسماتي) لم تتدخل لمساعدته في تخطّي ما يواجهه من صعاب وما يُعانيه من أزمات، بل دخلت القاعة .. لمحاكمته؟؟

  "راضي" يُصدم من دخول القاضية عليه وإجباره على الكف عن طرح الأسئلة بحيث هي من ستتولّى المهمة، وبدأت من حيث بدايته وعلاقته بأمه (هبة نجم) مذ كان غريباً ألاّ يبكي لحظة ولادته، وألاّ يبكي حزناً على وفاة أمه لأنه كان مشغولاً في مكان آخر، ومن خلال الأسئلة و الإجابات التي تصبّ في خانة ما يُوجع الناس في يومياتهم يقول "راضي" ما يتردد في أوساط المجتمع من إنتقادات متحوّلاً إلى ناطق بإسم الجميع ممن لا يزالون على عهدهم للبلد والعيش الكريم فيه، مع الكثير من صور الحرب المنصرمة وما تركته من صدىً ضاغط على كاهل اللبنانيين، الأمر الذي أحرج القاضية وجعلها تُبدّل في صياغة أسئلتها، وصولاً إلى إصدار الحكم عليه بأن يكون حراً في قول كل ما يريده علناً، لكن مع تمرير مسدس إليه كجزء من الحلول التي يستطيع إعتمادها لحل أزماته الكثيرة.

المشكلة التي تواجه "راضي" تكمن في الرسالة التي يريد توجيهها لنفسه، فهو قرّر بملء إرادته أن يتخلّص من حياته لكن مع جرأته في الضغط على زناد المسدس، كانت المفاجأة خلوّه من الذخيرة (كما حصل معه خلال الحرب المنصرمة عندما أعطاه مسلحون مسدساً فارغاً فتحداهم وضغط على الزناد)، والمفاجأة المضاعفة أن شيئاً ما تبدّل أو تحوّل أو إنقطع، "راضي" عاد في لحظة لوحده، عاد إلى واقعه من الحلم المؤقت الذي عاشه، بما يعني أن لا أمل في تبدّل الحال ، ومما زاد الطين بلّة أنه تبلّغ إنتهاء خدمته الوظيفية من دون تعويض، وإعتقد أن وجود المسدس بحوزته قد يحمل حلاً فجرّب المجرّب ووجده أيضاً فارغاً مع أن الفوهة كانت مصوّبة إلى أسفل فكّه، لذا عرف بما لا يدع مجالاً للشك أن عليه أن يبقى راضياً بما هوعليه حتى يقضي الله أمراً كان مقدوراً.