شوبان وكورساكوف بين عصا "بعلبكي" وأصابع "الباشا"

"سهرة إستثنائية" شهدتها القاعة الرئيسية لكنيسة القديس يوسف للآباء اليسوعيين (وسط بيروت)، ليلة الجمعة  في الثاني عشر من نيسان/إبريل الجاري، حيث أحيت الأوركسترا الفيلهارموني الوطنية اللبنانية (أسسها عام 1998 الدكتور وليد غلمية) حفلاً كبيراً بقيادة المايسترو "لبنان بعلبكي"، وحضر على البيانو العازف العالمي "عبد الرحمن الباشا"، إلى جانب 75 عازفاً كانوا كأنهم واحد وهم يقدمون نتاج الكبيرين (شوبان، وكورساكوف).

وصل "الباشا" من بروكسل وأثرى هذا اللقاء الموسيقي النخبوي الراقي الذي رعاه وزير الثقافة الدكتور محمد داود، وبدا واضحاً حسن التواصل بينه وبين المايسترو"بعلبكي" في الجزء الأول من الحفل المخصص لعزف الكونشرتو رقم واحد للبيانو والأوركسترا لـ "شوبان" وسط حالة من الدهشة الجماعية سادت القاعة الممتلئة عن آخرها بالرواد متذوقي الموسيقى بحيث يعرفون متى يصفقون ومتى يُنصتون، طالما أن الموسيقى الكلاسيكية تستوجب هدوءاً مطلقاً، وهو ما إحتاجه المايسترو ثلاث مرات عندما إلتزم الصمت وعدم الحركة طوال دقيقة في كل وقفة حتى يهدأ بعض الحضور ممن ضاقت بهم المقاعد الإضافية لإستيعاب كل الوافدين رغم أن هذا الحفل لم يكن مجانياً ويعتمد على الدعوات الخاصة والبطاقات المباعة.

إنطلق العزف مضبوطاً بدقة، وكان العازفون في حالة إستنفار قصوى بعدما لاحظوا مرّةً إثر مرة، حجم الإقبال الجماهيري ونسبة المتذوقين من الحضور بحيث لا يُسمح بأي أخطاء مهما كانت صغيرة أو عابرة، وإرتفعت الوتيرة مع دخول البيانو على الخط، والمهارة التي يتمتع بها العالمي "الباشا" فكانت مفاتيح البيانو بالكاد تلحق بأصابعه الأسرع من الصوت في تلمس كامل النغمات التي صاغها "شوبان" خصّيصاً للبيانو ولاحظنا تركيزاً إستثنائياً شعرنا معه بذوبان نجمنا في قلب العمل مع ما فيه من ضربات نغمية معبّرة تعلو وتهبط وفق آلية تمتزج فيها مشاعر الفرح مع رومانسية المواقف المؤثرة درامياً وبعمق.

في القسم الثاني من الحفل إنسحب "عبد الرحمن" وتم نقل البيانو إلى خارج الخشبة إفساحاً في المجال أمام الأوركسترا لكي تدخل في عالم موسيقي آخر مع العبقري الثاني في الحفل الروسي "كورساكوف" وأجواء فيها كل سحر الشرق عبر "شهرزاد" من مناخ "ألف ليلة وليلة"، وكاد الحضور أكثر من مرة أن يُواكبزا العزف بالتصفيق والتمايل لشدة التأثر بالنغمات المعبرة التي ملأت فضاء المكان سعادة وإمتاعاً.