"مسيو بشارة"- "سارتر" وبينهما "لولو" الراقصة الشرقية

أي خلطة مسرحية تمزج بين أستاذ فلسفة يعيش في بوتقة مغلقة على أفكار القيلسوف الوجودي الفرنسي "جان بول سارتر"، وسرعة تفاعله مع حسناء ظهرت فجأة في حياته وراحت تداعب خياله برقصة موحية ذهبت بعقله وفكّت عقدة عنوسته وإقترب من أن يبيع "سارتر" مُلهمه وسيد أفكاره، تعويضاً له عن كل السنوات التي أمضاها لا يلتفت إلى إمرأة، خصوصاً وأن "سارتر" الذي ظهر في العالم الآخر لم يهتم بحب "بشارة" له، بل ركّز نظره على "لولو" الراقصة (أماليا زيدان).

هذا المناخ كتبه بحرفية وعمق وأُفق نيّر الكاتب الشفاف "ألكسندر نجار"، النص المكتوب بالفرنسية أخرجته "لينا أبيض" بمهارة وخصوصية، كما فعلت قبلاً مع نص جميل آخر له بعنوان "l’inattendue". وتم إستعمال بعض العبارات الدارجة بالعربية في مواقع متباعدة وعابرة، ونعتبر أن المسرحية قدّمت الفنان المخضرم والنبيل "أنطوان بالابان" بقيمته ووزنه الفني وأتاحت لقدراته كممثل أن تبرز بعفوية وتدفق. كما أن المشهد الآسر لـ "بشارة عطالله" الذي صمم ملابس الممثلين أيضاً، أثبت أن الكثير من فنانينا يمتلكون طاقات خاصة ونوعية تحتاج إلى عين إخراجية نافذة لبلورتها ووضعها في إطارها الصحيح وهو ما فعلته المخرجة "أبيض" مع بشارة الذي إستعرض قدراته الحركية مع لسان إيطالي عفوي محبب، كما أن الكاستنغ وُفّق في إسناد دور المحقق إلى الفنان "جورج دياب"الذي قلد المحقق "كولومبو" (الراحل بيتر فولك) وهو يتحرّى عن قاتل الراقصة.
وعندما نرصد أداء الممثلين نتوقف عند الممثلتين "جوزيان بولس" في دور "جيلبرت" أخت "بشارة" التي تحك جلدها من الحساسية كلما سمعت إسم "سارتر"، وهي منتجة المسرحية السخية في الصرف عبر شركتها "62 events"، والمخرجة "أبيض" التي كانت إَضافة نوعية للعمل، عبر شخصيتين ظريفتين قريبتين من القلب، في وقت تتأكد صوابية خيار الكاستنغ مع شخصية "ألبير" النائم على مدى وقت المسرحية مع الممثل "رافي فغالي" فكل ما فيه يوحي بالكسل وعدم الرغبة في الحركة، إلى حد الإتفاق عليه لتحميله مسؤولية جريمة قتل "لولو" التي نفّذها "بشارة" مع تبرير أن "ألبير" نائم دائماً ولن يتغير عليه شيء في السجن سوى مكان النوم، كما شكّل الموقف في الآخرة بين "بشارة" و "سارتر" (لعبه بشكل جيد سيريل جبر) فرصة جميلة لمحاسبة "بشارة" على ميله المهووس لـ "سارتر"، كما كان ظهور "وليد عرقجي" فاعلاً ومقنعاً، أما "أماليا" في دور الراقصة فكانت على قياس الشخصية تماماً.
ولعب الأدوار الأخرى (لاري بو صافي، نديم شماس، ترايسي الراعي، وآية ليل طربيه)، بينما عرفت الصالة تفاعلاً نموذجياً مع الأحداث والشخصيات، وللمخرجة "لينا أبيض" أن تطمئن إلى أن توزيع الأدواركان صائباً وعادلاً جداً ، وللكاتب "نجار" أن يرتاح إلى وضعه ككاتب كبير للمسرح، وأن ليس بين كتابنا الحاضرين من ينافسه في هذا النوع المسرحي لا بالفرنسية ولا بالعربية، والتحية لهذا الإنتاج النخبوي والجماهيري في آن.