مات "زيفيريللي" أسطورة إيطاليا، وصديق "كركلا"

عاش 96 عاماً ومضى. المعلّم الإيطالي والأول بعد العبقري "فيلليني" غيّبه الموت في مقر إقامته بروما نتيجة وهن الشيخوخة، لم يغب يوماً عن الأستوديو الخاص به، ولا عن الخشبة مرابطاً في كواليسها باحثاً عن الجديد والأكثر تطوراً. إنه "فرانكو زيفيريللي" القائل: "جنتي هنا على الأرض لأن الخالق أضاء رأسي بكل الجمال .. بالفن".

صاحب الوجه المضيء رفض دائماً فكرة الوقوف أمام الكاميرا، معتبراً "أن التمثيل أصعب الفنون لأنه يُخرج من الفنان كل شوائب الشخصية الإنسانية ويضعها أمام الآخرين". مال هذا الفنان المرهف والراقي إلى البحث عن مكامن السحر في الحياة لكي يُقدمها إلى الناس علهم يفيقون من غفوة الحقد والحسد والكراهية التي تُعمي بصائرهم، لذا لم يكتف بالسينما والمسرح بل تعدّى ذلك إلى المدى الإنساني في الكتابة وإبتكار أفضل أساليب السعادة والهناء. هذا المبدع أسبغ إنعكاس المرايا المتوهجة على وجوه العاملين بإدارته فكانت الحياة أقوى من الموت، والخير أبقى وأثبت من الشر، رغم أن الراحل الكبير شكسبيري حتى العظم، من رائعته التي أوصلته إلى الأوسكار عام 1968 "روميو وجولييت" (مع أوليفيا هوسيه، وليونارد ويتنغ) وصولاً إلى "هاملت" (ميل غيبسون، وغلين كلوز) عام 1990، مروراً بـ "أوتيللو" (مع التينور الأسباني بلاسيدو دومينغو) عام 1986.
"زيفيريللي" إبن روما كانت له محطات مع أعمال تنحو الجانب الديني مع إقامته قريباً من الفاتيكان، فصوّرسيرة حياة سانت "فرنسيس أسيزي" عام 72 في (brother sun sister mom) مع سباعية بعنوان "jesus of Nazareth". وعرفت مفكرته تنويعاً متقدماً فشاهدنا له عام 1981 "la boheme" (مع تيريزا ستراتاس، والتينور خوسيه كاريراس)، و "endless love" (مع بروك شيلدز، وتوم كروز) (عام 81)، ثم "la traviata" (عام 1982). الراحل كان أول من تعامل معه كممثل "مونتغمري كليفت" في وقت أعلن فيه يوماً أن من جعله يترك الهندسة ويتجه إلى الفن هو السير "لورانس أوليفييه" عندما شاهده عام 1944 في "henry 5"، ومنذ ذلك الحين لم يتوقف عن العمل في الفنون المرئية.
"فرانكو زيقيريللي" ترك إرثاً إبداعياً راقياً في مجالي السينما والمسرح الإستعراضي، إضافة إلى جيش من كبار التقنيين المتخصصين في مجالي المؤثرات الخاصة والمشهدية، مع ما يستتبعها من تصوير وإضاءة وديكور وخلافه، ومن هذا الباب تطورت علاقة بدأت مهنية صرفة مع المخرج "إيفان كركلا" ووالده الفنان الكبير "عبد الحليم كركلا" تطورت وتعززت لتُصبح إنسانية بإمتياز، جعلت معظم المسرحيات التي أنجزها "كركلا" الإبن، يلتزم فيها التعاون مع فريق زيفيريللي الإبداعي، مما أعطى نكهة عالمية لهذه الأعمال تضاف إلى مناخها الشرقي الأصيل.