سقوط 5 شهداء غرام في ضربات حب ساحقة

"من أحبّ فعفّ فمات فهو شهيد". إستناداً إلى هذا القول يدخل الكوريغراف اللبناني "علي شحرور" مع 4 من رفاقه (حلا عمران، آية متولي، سيمونا عبد الله، وشريف صحناوي) ضمن مسرحية "ليل" الراقصة، في حساب الشهداء بعدما سقطوا قلوباً هامدة على الخشبة من الجوى والعشق، ما بين رقص تعبيري حديث، وعزف على غيتاريْ إيقاعات، وطبلة، أقرب إلى الإحتفالات الجنائزية منها إلى طقوس العشق التي نقرأ عنها.

"ليل" هكذا سمّى "شحرور" عمله الجديد بعد ثلاثية (فاطمة – 2014، موت ليلى- 2016، عساه يحيا ويشم العبق – 2017) ناجحة أثارت جدلاً ونقاشاً إعتمد فيها الفنان الشاب على طقوس دينية ذهبت بها إلى نهايات متباينة، وها هو يفتح بداية صفحة ثلاثية جديدة تستند إلى الحب لكنها في كل حال تنتهي بالموت وكأنما يستند "شحرور" إلى حس جنائزي طالما أن الكثيرين من الأحبة على مر التاريخ سقطوا صرعى هواهم وكانوا سعداء لأن صورة الحبيب أو الحبيبة كانت رائدة لهم في مسار العشق الذي ينتهي دائماً بطريقة مأساوية. إحتفالية الهيام هذه يعتمدها الفنان الشاب هنا أساساً متيناً لـ "ليل" التي تتأرجح بين الهوى والجوى ولحظة الذهاب إلى البعيد على أمل لقاء الشريك في الدار الأخرى.

الموعد هو هو. والأحبة هم غذاؤه وناره. في المسرحية تتأجج العواطف وتتلاطم والغاية دائماً بلوغ لحظة اللقاء. ونأنس لتماهي الأجساد مع الأنغام الرائعة والمدهشة والمحفّزة التي تأتينا خصوصاً من غيتار الفنان الذواق "شريف صحناوي" الذي يُضيف إليه بعض الإكسسوارات الصغيرة لتعديل أو تغيير إتجاهه ومدى الصوت فيه، فإذا الأصوات أكثر عمقاً وبلاغة في التأثير عميقاً فينا، فكيف لا تكون كذلك والحب هو العنوان ومعه تُذكر كل التفاصيل. وتجيء حركة المشاركين في العرض على إيقاع مزاجي خاص لا ينتبه إليه الرواد بفعل القدْر العالي من العفوية الذي يميّز هذا الحضور الفني الآسر. فـ "شحرور" لا يُقدّم نفسه سيد اللعبة، بل أحد عناصرها وحسب بتواضع جم، وزميلته الفلسطينية "سيمونا عبد الله" رائعة في دوريها ما بين الرقص التعبيري والعزف على الغيتار، وكذلك هي مهمة "آية متولي" التي تضرب بجنون غالباً وبرفق أحياناً على الطبلة واقفة أو ممددة، ونضع السورية "حلا عمران" في حيّز مستقل، كونها تقرأ الشعر بضوابط لغوية سليمة وتؤدّي واجبها في الرقص التعبيري حتى لحظة الإستشهاد مع الفريق على الخشبة وتشييعها في مأتم خاص.

نعم "حلا" في اللقطة الرئيسية وحولها باقي زملائها، ممددة وتاج الورد يُزيّن رأسها، بينما توزّعت الورود على أنحاء جسمها تعبيراً عن الإحتفال بوداعها إلى المثوى الأخير الذي يحملها إلى حيث الحبيب. وبينما تسيطر العربية الفصحى على المشاهد كلها، فإن الغناء الإحتفائي حاضر مع إيقاعات جاذبة أقرب أحياناً إلى الحداء (مع: ردت بس شوفتك، من غاب دلالي، عيني لغير جمالكم لا تنظر) يضاف إليها عرس تأبيني لـ "علي شحرور" يتواكب مع ضربات قوية على الصدر والرأس في طقس أعاد إلينا صورة الثلاثية المنصرمة التي إحتفلت بالموت.