غوتيه كان يُحيي ليلة القدر ويخطّ الآيات القرآنيّة

سهى صبّاغ

كاتبة لبنانية
الشّاعر والفيلسوف الألماني غوتيه، انبهر باللغة العربيّة بشكل كبير، وأبدى تأثّره بها. كما يقول الكاتب والباحث نهاد حشيشو، في جلسة دردشة ثقافيّة، من وحي كتابه الموسوعي "ألمانيا والعرب" دراسة في العلاقات الألمانيّة_ العربيّة". قال غوتيه عن اللغة العربيّة: ربّما لم يحدث بأي لغة في العالم، هذا القدر من الانسجام بين الروح والكلمة، مثلما حدث في اللغة العربيّة. يحضرنا الكلام عن غوتيه، في ظلّ ما تمرّ به بلادنا العربيّة، من حروب، ومحاولات هدم لحضارتنا، وتشويه صورة العرب والمسلمين، بما يُرتكب من مجازر وانتهاكات باسم الإسلام.
توقّف غوتيه مليّاً عند الرجولة والكرامة العربيّة والشجاعة.
توقّف غوتيه مليّاً عند الرجولة والكرامة العربيّة والشجاعة.
انفتح غوتيه على إبداعات الشّعر واضطلع على ديوان العرب، حيث كثيراّ ما تعلّق بمعلّقات الجاهليّة. يقول عنها أنّها كنوز طاغية الجمال؛ واعتبر أن القرشيين أصحاب ثقافة عالية، وهم القبيلة التي خرج منها النّبي محمّد. قرأ غوتيه شعر عمرو بن العاص، امرؤ القيس، طرفة بن العبد، زهير بن أبي سلمى، عنترة بن شدّاد، وكل شعراء الجاهليّة. توقّف مليّاً عند الرجولة والكرامة العربيّة والشجاعة.

غوتيه، ما بين الاقتباس القرآني وبين شعره

اندمج غوته بالثقافة الإسلاميّة لحد كبير، حتى أن البعض يرجّح بأنه مات مسلماً.
اندمج غوته بالثقافة الإسلاميّة لحد كبير، حتى أن البعض يرجّح بأنه مات مسلماً.
اندمج غوته بالثقافة الإسلاميّة لحد كبير، حتى أن البعض يرجّح بأنه مات مسلماً.

لقد وصف القرآن بأنه كتاب الكتب، يقول عنه: أيها القرآن الكريم، أيّها الطمأنينة الحالمة.. وفي سن السبعين، تراه يعلن على الملأ، إحتفاله، وبخشوع بتلك الليلة المقدّسة التي نزل فيها القرآن الكريم. ليلة القدر. يصف الرسول كونه هادياً للبشر، بأنه النهر العظيم، الذي يتدفّق رقيقاً هادئاً..

يضيف الباحث نهاد حشيشو: لدى غوتيه ديوان الشرقي الذي صدر في 1820 _ 1814 يقول فيه أنه لا يكره بأن يُقال عنه مسلماً، وأنه وإن بلغ ال77 من عمره، لم يتراخى إعجابه بالإسلام أبداً، بل كان يتعاظم ويشتدّ رسوخه. تأثّر بالإسلام كفكر وكروح، ورأى قِيَماً كانت بالنّسبة إليه مهمّة كثيراً وتبناها، كانت ملهمة له بشعره وأعماله. تقول الباحثة الألمانيّة كتارينا : عن انتصاف مقاطع غوتيه الشعريّة، ما بين الاقتباس القرآني وما بين كلامه هو. وهذا ما ظهر جليّاً في ديوانه "الغرب والشّرق" ومن أكثر ما تأثّر به غوتيه، الدّعاء في الآيات الكريمات مثل: "قال ربّي إشرح لي صدري ويَسِّر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.." (سورة طه 25_ 28)

كان غوتيه في الكثير من مؤلّفاته يدوّن بخط يده آيات كريمات، تشير صراحة إلى النّبي محمّد مثل قوله تعالى "وما محمّد إلا رسول قد خلت من قبلِه الرسل.."


يقصدون الشّرق تأثّراً بغوتيه

 بالنّسبة للألمان غوتيه يُعتبر كالمُتنبي بالنّسبة للعرب.
بالنّسبة للألمان غوتيه يُعتبر كالمُتنبي بالنّسبة للعرب.
إلى أي حدّ أثّر غوتيه في مجتمعه وهو الذي يُعتبر شاعر ألمانيا الأوّل؟

يُجيب حشيشو: بالنّسبة للألمان غوتيه يُعتبر كالمُتنبي بالنّسبة للعرب. أهم شاعر أنجبته ألمانيا. ولا شكّ أن بعض المستشرقين وهم قلّة، الذين أتوا إلى الشّرق وكتبوا بإيجابيّة عنه وعن الإسلام، ولم يقوموا بتشويه الصورة كما فعل آخرون، قد تأثّروا بما كتبه غوتيه. وأحبوا أن يروا ويتعمّقوا بمعرفتهم.

يؤكّد مؤلّف كتاب الأدب العربي وأنسيكلوبيديا الإسلام "كارل بوكلمان" أن غالبيّة الدراسات التي خطّها مستشرقون معظمهم ألمان، في القرنين الماضيين، تمحورت حول الرّسول محمّد. كان القرآن محطّ أنظار المستشرقين عموماً، لأنه مصدر القوّة في حياة المسلمين، وهو منبع الرؤية في حضارة الإسلام، وهو الأصل في معرفة حقيقة الإسلام.

 


يُشْبهون مشركي قريش

إن عناية حركة الإستشراق بالتّراث الإسلامي العربي وحضارته، قد فاقت كل الجهود
إن عناية حركة الإستشراق بالتّراث الإسلامي العربي وحضارته، قد فاقت كل الجهود
يُشير الباحث نهاد حشيشو، إلى نقطة ملفتة ويقارن بين مشركي قريش الذين اعتبروا القرآن مرّة شعراً، ومرّة أخرى سحراً وأساطير الأوّلين، وبين المستشرقين الذين كانت جهودهم، لا تخرج عن هذه التوجّهات والتوجيهات.

إن عناية حركة الإستشراق بالتّراث الإسلامي العربي وحضارته، قد فاقت كل الجهود، لاختراق آفاق الشّرق الفكريّة والحضاريّة، واستكشاف أسباب قوّته ومقوّماته، لكن عقليّتهم المشدودة إلى المادّة، لم تستطع أن تهضم المناحي الغيبيّة الميتافيزيقيّة في روحانيّة التراث.

"صكوك الغفران" في كنيسة العصور الوسطى، وحوريّات العين عند داعش في عصرنا الحالي

في العصور الوسطى كانت أوروبا تعيش بعصر الظلمات. كانت الكنيسة هي المسيطرة وكان هناك صراعات دينيّة
في العصور الوسطى كانت أوروبا تعيش بعصر الظلمات. كانت الكنيسة هي المسيطرة وكان هناك صراعات دينيّة
في العصور الوسطى كانت أوروبا تعيش بعصر الظلمات. كانت الكنيسة هي المسيطرة وكان هناك صراعات دينيّة وتحريم لبعض الأفكار التي، لا تكرّس ولا تمجّد البابا الذي، كانت سلطته عالية جدّاً، وكأنه إله على الأرض، لدرجة أن أصبحت الكنيسة تبيع ما أطلق عليه ب"صكوك الغفران".
تقبض المال من الناس مقابل ما أوهموهم به، حجز مقاعد في الجنة. جاء أحد رجال الدين "مارتن لوثر" ليفضح الكنيسة ويحتجّ على آدائها ويتّهمها بالكذب، فاضطُهِد وكَثُرَ أتباعه وقد سُمّيوا  بالبروتستانت أي "المحتجّون" وواجهتهم الكاثوليك، جماعة البابا، واندلعت حروب دينيّة بين الطرفين. هنا لم يكن بمقدورنا، إلا أن نربط بين عصر الظلمات وصكوك الغفران، وبين وعود داعش لأتباعهم، بالجنة والحوريّات في يومنا الحاضر، والغايات هي نفسها، السلطة والتربّع على العروش والظفر بالغنائم وثروات البلاد.. وبما أن في كل الأزمنة هناك سُذّج، فبإمكان أصحاب المصالح اللعب بهم.     


انفتاح ألمانيا على الشّرق مبكر وجيل جديد متأثّر بالأيديولوجيا الغربيّة

 معهد غوتيه المنتشر في كل الدول العربيّة، لعب دوراً كبيراً بالتبادل الثقافي
معهد غوتيه المنتشر في كل الدول العربيّة، لعب دوراً كبيراً بالتبادل الثقافي
وفي زاوية مشرقة، يتابع حشيشو: انفتاح ألمانيا على الشرق كان مبكراً، فبعد الحرب العالميّة الثّانية، صدرت مجلة "فكر وفن" أسستها مستشرقة "أنّا ماريّا شغل" باللغة العربيّة وكانت مدعومة من الدولة الألمانيّة، وبقيت تصدر لمرحلة قريبة جدّاً. كان يكتب فيها كتّاب عرب ويترجمون من الألمانيّة إلى العربيّة وبالعكس. وكان المقصود توصيل الفكر العربي والإسلامي إلى الألمان والتبادل الثّقافي.
لعبت هذه المجلة دوراً مهماً جدّاً، خاصة بالنّسبة للألمان الذين كانوا يدرسون اللغة العربيّة. وكان هناك من عطف نوعاً ما على الإسلام والعرب بالمعنى التاريخي، وحتى السياسي في مرحلة معيّنة. لكن لا تنسي يقول حشيشو: أن ألمانيا بعد الحرب والهزيمة، والكوارث التي حلّت على شعبها. تدمّرت بلادهم وقُتِل منهم أعداد كبيرة؛ أصبح هناك اتّجاه عند الحكومة لضرب كل تراث وتاريخ للنازيّة. أجيال ما بعد الحرب، بعضهم وبتأثير الأيديولوجيا الغربيّة، والحرب الباردة، وبتأثير أميركا بشكل أساسي والحلف الأطلسي، أخذوا اتّجاهاً غربياً سياسياً.
 أيضاً موضوع إسرائيل، نقطة حسّاسة كثيراً بالنسبة إليهم. فهم أصبحوا يدفعون تعويضات لها والتي ألزمهم بها الغرب بحجّة "المحرقة"؛ وهناك أصلاً أميركا التي تقدّم لإسرائيل مساعدات ماليّة؛ لذلك كما يشير نهاد حشيشو، أصبح هناك أناس لديهم مواقف معادية للإسلام، ولحركة التحرّر العربيّة، مع أن بعضهم كان مندفعاً لقضيّتنا بإطار حركة التحرّر، لكن الدولة الألمانيّة نفسها كانت معادية لتلك الحركة.

بكل الأحوال، معهد غوتيه المنتشر في كل الدول العربيّة، لعب دوراً كبيراً بالتبادل الثقافي، إن كان من حيث ترجمة الكتب، وتعليم اللغة الألمانيّة التي، سهّلت على الكثير من طلاب الجامعات، بالذّهاب إلى ألمانيا ومتابعة دراساتهم هناك. 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً