معرض قصفٍ بالأبيض والأسود لتلاوين العصر

محتمية بطفولتها، تقاوم بها توحش العصر، تقصفه لمى كوثراني بصراحتها، والتباساته وغموضه، بمعرض فني يستخدم الأبيض والأسود.
معرض فني يستخدم الأبيض والأسود
معرض فني يستخدم الأبيض والأسود
ليس في العصر الراهن وضوح رؤيا، ولا صفاء مسار. فيه مصالح كبرى، شراهتها في الذروة، تتخذ من الأشياء تبريرا لنزعاتها، وعدوانيتها، و"ليست الغاية تبرر الوسيلة" شعارا تخجل مرحلة العولمة، وما بعد الحداثة، من استخدامه.

 

ترد كوثراني على ميزات العصر بمعرضها الأول، تأتي إليه من بوابة "البيزنس"، العمل بالصيغة الليبرالية-المعولمة، لا تشتمه، وبكل تهذيب تقول له: الوضوح والصدق والصراحة ليست في تلاوينك، وتشاطراتك، وحذاقاتك، وادعاء التعدد في ديمقراطيتك. إنه هنا في الأبيض والأسود، ولا ثالث لهما.

 

كانت كوثراني تحب الفن في طفولتها، لكن بريق الفن لن يكون ساطعا، ولا جذابا على ما تهواه الغالبية العظمى من الناس. ولن يكون ادخاره كافيا لإرضاء نزعات العصر،  والميول إلى التباهي فيه. وقد نصل بالفن إلى أقصى درجات الغنى إذا عرفنا كيف نوظفه في سياقات العصر الاستثمارية، أما إذا كنا نريد أن نستخدم الفن للفن، كما يقال، أو أن نتناول فيه الجميل، والراقي من حياة الانسان، فقد نموت جوعا، وندفن على حساب الجمعيات الخيرية، وجمعيات دفن الموتى.

 

لا تبدو كوثراني من الصنف الأول الذي يتقن الاستثمار، وإن اختارت تخصصها، وسبيل حياتها العملاني في مجالاته. صرفت النظر عن موهبتها الفنية التي لمستها، هي وأهلها ومعلموها زمن الطفولة. لا بل أنكرت طبيعتها، إن لم نقل إنها خانتها، وراحت إلى عالم الزيف المتباهي والمدعي. وهي ليست منه، ولا من سليلاته. هي من بيت لبناني تقليدي، لا يزال يحافظ على صدقه، وتواضعه، ويقبل بما كتب له. تعارضت كوثراني بين انتمائها الاجتماعي، ورغبتها كشابة متخرجة جديدا من الجامعة، فذهبت إلى العمل في إطاره الحديث "البيزنس". غرقت في تفاصيله من خلال ممارسته. من داخله اكتشفت هشاشته، وصفاقته، وانعدام انسانيته المتعارضة مع ذاتها، ومع "أناها". صبرت، وظلت متنكرة لميولها الفطرية، وروحيتها المشرقية، بما تحتضنه من حب، وتواضع، وألفة، وبراءة، واتزان، وكرامة. إلى أن لم تعد لها القدرة على تحمل التعارض بين الراهن الذي تعيش، وبين المكتنز الدفين في ذاتها منذ الطفولة، فانفجرت لوحات متتالية، ترفض بها واقعها العملاني الحديث، فتستخدم بصراحة قاسية الأبيض والأسود، لترد به على العصر كأنها تقول: ليس في الحياة تلاوينك، بل الوضوح، والصراحة، والصدق بالأبيض والأسود.

 

لذلك، حملت لوحاتها عناوين "الحب"، تفتتح به معرضها في لوحة "الحب" تتصدر المعروضات، وعناوين أخرى مثل التواضع، والألفة، والبراءة، والاتزان، والكرامة، وما شابهها من عناوين قيَميَة، لا استهلاكية، ولا ترويجية.

 

فترة من العمل مرت على كوثراني مشغوفة بما رسمته المرحلة لها، كما لكل الناس. لكن، لا مفر من المعاناة مع متطلبات السوق من تنافس، وصراع مصالح، مهما كانت صغيرة أو ضيقة، ومنطق السمك الصغير والسمك الكبير المعروف يسود، والاستغلال بأبشع مظاهره حيث تخطف من الانسان لحظاته الخاصة، وحقوقه في تنشق الهواء، ورؤية الضوء بمواجهة انغلاق المكاتب، وتلوث الأشياء، من هواء وماء وقوت، بكل اصناف التلوث. ومتى طفح الكيل بنقطة أخيرة، لم تعد كوثراني، مثل كثيرين، تحتمل. كل يعبر عن ذاته بطريقته، وهي عادت إلى طفولتها، تعتذر منها، تعترف بحقها عليها، وتمتشق الريشة التي "خانتها" لسنين طويلة، وترسم بها معاناتها، وأحاسيسها، واشواقها.

 

في كل لحظة قساوة، وأزاء كل صدمة، وعنصر إحباط، كانت كوثراني تذهب إلى الريشة تطلق سراحها معبرة بها عما في نفسها، فكانت لوحاتها التي احتشدت على مدى عامين، لتتحول إلى معرض فني أقامته في صالة "الآثار" (الأركيولوجيا) في جامعة الروح القدس- الكسليك، حيث تابعت دراستها الجامعية في إطار الأعمال (البيزنس).

 

كوثراني آثرت عنونة معرضها "أحاسيس "بالأسود والأبيض لأنه "يسرني نفسيا"، كما تقول، وتستدرك: "اشعر بفرح الألوان الزاهية، لكنني أشعر بفرح أكبر بالدقة التي يوحيها الأسود والابيض حيث تتظهر الحقيقة كما هي دون مواربة. وكل شخص يمكنه تفسيرها من منظوره الخاص. هو اسلوب كمن يسمي القصص بأسمائها”. 


في لوحاتها الكثير من عمق الأحاسيس المعبر عنها بالتعارض في العنوان: "تماسك وسقوط"، و"ألم مغرٍ"، و"هو وهي"، ولا تخاف من اللجوء إلى التجريد فهناك الشرنقة، وهناك العين الثالثة كبدايات انخراط في الفن الذي تأمل تطويره، والتعمق به، كما تقول.


كثير من الرمزية التعبيرية في خطوط كوثراني السوداء على بياض، فيه الكثير من المعاناة، والحزن والأسى في عيون أشخاصها، للدهشة فيه مساحة ضيقة، وللجدل آفاق واسعة لامتناهية، بمدى تعقيدات العصر.