رحل جان شمعون..ذاك النبيل الممتلئ بالحياة والمقاومة

منذ سنوات قليلة غاب المخرج النبيل "جان شمعون" عن النظروالسمع والأخبار الجديدة، زوجته المخرجة "مي مصري" كانت صلتنا الوحيدة للإطمئنان عن صحته وأوضاعه، وقد منعنا الإحراج دائماً من السؤال عن التفاصيل، بعدما عرفنا بأنه ما عاد يعرف من حوله جيداً،إلى أن أعلنت وفاته عن 74 عاماً في يوم إحتفال إذاعة لبنان بعيدها الثمانين، التي كانت منبره الأشهر في عز إحتدام الحرب اللبنانية.
جان شمعون خلف كاميراه سيداً للأعمال الوثائقية
جان شمعون خلف كاميراه سيداً للأعمال الوثائقية
يغيب هذا الفنان الممتلئ حياة، والمغامر دائماً، والذي جعل للأفلام الوثائقية جمهوراً خاصاً إثر تجارب متعددة خاضها لتوصيل صورة  القضيتين اللبنانية والفلسطينية، حيناً لوحده( تل الزعتر، أنشودة الأحرار، رهينة الإنتظار، أرض النساء، يوميات بيروت، طيف المدينة) وحيناً أخرى مع زوجته ( تحت الأنقاض، زهرة القندول، بيروت جيل الحرب، أحلام معلقة) مستعيناً بميزانيات عربية أو غربية لتصوير أعماله التي حملت هم لبنان وفلسطين" أنا أقوم بواجبي كمواطن عربي ولن يردني أحد عن قول ما أريد". ويوم شكّل ثنائياً ناجحاً جداً مع الفنان المتميز زياد الرحباني في الحلقات الإذاعية" بعدنا طيبين .. قولوا الله" عبر أثير إذاعة لبنان، إعتبر أنه يناضل عبر إحدى وسائل الإعلام الفاعلة في تلك الفترة.

 

فرد "شمعون" جناحي إهتمامه على قضايا الوطن والمواطن، كما أطل على الهم العربي، وأمضى حقبة طويلة من حياته متنقلاً  بين الأقطار العربية، والعواصم الأجنبية، عارضاً أفلامه ومناقشاً مضامينها، أو ساعياً لتأمين تمويل لمشروع جديد، حيث إكتسب مع زوجته "مي" ولفترة جيدة ثقة دوائر الإنتاج في القناة الرابعة الإنكليزية، التي لم تبخل بدعم تصوير عدد من مشاريعه، من دون التدخل في فحواها ومؤدّاها وفق تأكيده المتكرر، في وقت كانت الحملات تطال السينمائيين العرب الذين إتهموا بالتواطؤ مع الجهات الغربية لتنفيذ شروط تعجيزية تجعل أفلامهم بوق دعاية لما يريده الغرب وليس لما يراه هذا المخرج أو ذاك كتصور لكيفية التعاطي مع المسائل التي تهم العرب وتدفعهم قدماً صوب التكاتف لتحقيق أهدافهم.

 

تجربة الحياة والعمل بين "جان" و"مي" كانت مثالية. كمّلا بعضهما في كل شيء، وعندما يصوّر عملاً له، يجدها سنداً له في كل المهمات، كما أنها لطالما حضرت معه، أمامه وخلفه، مساعدة له في كل أمر يحتاجه خلال التحضير والتصوير. صوته شكّل شخصية مميزة لوجه مبتسم دائماً، أحب الناس والعيش بحرية، وعندما يبادر في تنفيذ مشروع جديد له لا يضطر للكلام الكثير لأن جموع الأصدقاء والأحبة من حوله يشكلون عصب مشاريعه، والقوة التي يعتمد عليها دائماً في المباشرة الواثقة لإنجاز الجديد بكل طاقته.