الإعاقة السمعية بين التصنيفات والأسباب وأهم الخصائص المُميّزة

يشير مفهوم الإعاقة السمعية إلى تباين في مستويات السمع عند الإنسان المصاب، بحيث تتراوح بين الضعف البسيط فالشديد جداً، والتي تصيب الإنسان خلال مراحل نموه المختلفة، وهي إعاقة تحرم الفرد من سماع الكلام المنطوق مع أو من دون إستخدام المعينات السمعية، وتشمل الأفراد ضعيفي السمع والأطفال الصم.

هذا وقد يكون دور واضح للبيئة في الإصابة بالإعاقة السمعية
هذا وقد يكون دور واضح للبيئة في الإصابة بالإعاقة السمعية

هذا ويعرّف الأصم بشكل عام بأنه (ذلك الفرد الذي يتعذّر عليه أن يستجيب إستجابة تدل على فَهْم الكلام المسموع)، فيما خصص مفهوم الإعاقة السمعية (الأصم) عندما أكد على أنه (ذلك الفرد الذي يعاني من اختلال في الجهاز السمعي يحول بينه وبين إكتساب اللغة بالطرق العادية، وأن مثل هذا الفرد يكون قد فقد القدرة السمعية قبل تعلّم الكلام أو الذي فقدها بمجرد تعلّم الكلام نتيجة لحدوث عطل فيها)، وهناك مَن يضع في اعتباره العُمر الزمني حال تحديده لمفهوم الإعاقة السمعية، حيث يرى أن الأصم هو (ذلك الطفل الذي فقد قدرته السمعية في السنوات الثلاث الأولى من عمره، الأمر الذي أدى إلى عدم قدرته على اكتساب اللغة).

وقد بيّن المتخصّصون في هذا المجال عدداً من التصنيفات في مجال الإعاقة السمعية أهمها:

أ- من حيث العمر عند الإصابة، وتنقسم إلى ما يلي: 1- إعاقة سمعية ولادية: أي أن الفرد قد ولِدَ وهو ضعيف السمع منذ لحظة ولادته الأولى. 2- إعاقة سمعية ما قبل تعلّم اللغة: أي أن الإعاقة السمعية تحدث عند الفرد قبل تعلّم اللغة واكتسابها، أي ما قبل سن الثالثة من العمر، ويتميّز أفراد هذه الفئة بعدم القدرة على الكلام لأنهم لم يتمكّنوا من سماع اللغة. 3- إعاقة سمعية بعد اللغة: وهي تشمل الأفراد الذين أصيبوا بها بعد تطوّر الكلام واللغة لديهم. 4- إعاقة سمعية مكتسبة: وتشمل الأفراد الذين فقدوا حاسّة السمع بعد الولادة، وفقدوا قدراتهم اللغوية التي كانت قد تطوّرت لديهم، وذلك إذا لم تقدّم لهم خدمات تأهيلية خاصة.

ب- من حيث موقع الإصابة وتنقسم إلى ما يلي: 1- إعاقة سمعية توصيلية: وتكمن المشكلة في هذه الحال في عملية توصيل الصوت إلى الأذن الداخلية بسبب مشكلات في الأذن الخارجية أو الأذن الوسطى، ومن هذه المشكلات وجود الصملاخ بكثرة وهو المادة الشمعية في الأذن وتراكمه، الأمر الذي يحتاج إلى إزالته، أو ظهور المشكلة بسبب الإلتهابات الفطرية أو البكتيرية، ومن الأدوية المُستخدَمة لهذه الغاية قطرات الأذن للقضاء على الفطريات، وعادة ما يشكو المريض من حكّة مصاحبة لوجود الفطريات، وقد يحتاج الفرد بعد إجراء فحص تخطيط السمع إلى بعض المُعينات السمعية (سمّاعة الأذن). 2- الإعاقة السمعية الحسية العصبية: وتكمن المشكلة في هذه الحال في الأذن الداخلية والعصب السمعي، وإخفاق هذه الأذن في استقبال الصوت أو نقل السيالات العصبية عبر العصب السمعي إلى الدماغ، ولا تكون الإعاقة فقط في تخفيف شدّة الصوت بل في تشويهه بحيث يدرك الفرد أصواتاً مشوّشة، وهذا النوع من الخلَل ليس قابلاً للتصحيح بالإجراءات الطبية والجراحية، كما ولا فائدة تُرجى من تضخيم الصوت عن طريق السمّاعة. 3- الإعاقة السمعية المركزية: تكمُن المشكلة في هذه الحال في التفسير الخاطئ لما يسمعه الإنسان، وذلك بالرغم من أن حاسّة سمعه قد تكون طبيعية، لكن المشكلة تكون في توصيل السيالات العصبية من جذع الدماغ إلى القشرة السمعية الموجودة في الفص الصدغي في الدماغ، وذلك نتيجة وجود أورام أو تلف دماغي، والمُعينات السمعية في هذا النوع تكون ذات فائدة محدودة.

ج- من حيث شدّة فقدان السمع وتنقسم إلى ما يلي: 1- الإعاقة السمعية البسيطة جداً: يتراوح الفقدان السمعي فيها بين (27- 40) ديسبيل، وأهم ما يميّز هذه الإعاقة لدى صاحبها صعوبة سماعه للكلام الخافِت أو عن بُعد أو تمييز بعض الأصوات، وقد يستفيد الفرد المصاب من المُعينات السمعية والبرامج العلاجية. 2- الإعاقة السمعية البسيطة: يتراوح فقدان السمع فيها بين (41- 55) ديسبيل، ويفهم صاحب هذه الإعاقة كلام المحادثة عن بعد (3- 5) أمتار وجهاً لوجه، كما ويفسّر الطالب 50% من المناقشة الصفيّة إذا كانت الأصوات خافِتة أو بعيدة، ويكون ذلك مصحوباً بإنحرافات في اللفظ أو الكلام، لهذا يحتاج الفرد المصاب إلى خدمات التربية الخاصة. 3- الإعاقة السمعية المتوسّطة: يتراوح فقدان السمع فيها بين (56- 70) ديسبيل، وصاحب هذه الإعاقة لا يفهم المُحادثة إلا إذا كانت بصوتٍ عال، كما ويواجه الطالب صعوبة في المناقشات الصعبة الجماعية لأن قاموسه اللفظي محدود، ويكون ذلك أيضاً مصحوباً باضطرابات في اللغة، بحيث يحتاج هذا الفرد إلى الإلتحاق بصف خاص واستعمال المُعينات السمعية. 4- الإعاقة السمعية الشديدة: يتراوح فقدان السمع فيها بين (71- 90) ديسبيل، وصاحب هذه الإعاقة لا يستطيع سماع حتى الأصوات العالية، ويعاني من اضطرابات في الكلام واللغة، ويحول ذلك من دون تطوّر اللغة لدى الطفل إذا كان عنده منذ السنة الأولى، كما ويحتاج الطفل إلى مدرسة خاصة بالمُعاقين سمعياً ليتعلّم ويتدرّب على السمع وقراءة الشفاه، لأن صاحب هذه الإعاقة يعتمد على حاسة البصر كما ويكون بحاجة إلى سمّاعة طبية.

أسباب الإعاقة السمعية

تتعدّد أسباب الإعاقة السمعية بين الأسباب الوراثية والمُكتسبة، وأسباب متعلّقة بمرحلة ما قبل الولادة وأثناء الولادة وبعد الولادة، فالإعاقة السمعية الوراثية تكون نتيجة انتقال بعض الحالات المرضية من الآباء إلى الأبناء من خلال الكروموسومات الحاملة لهذه الصفات مثل ضعف الخلايا السمعية أو العصب السمعي، وتزداد حالات الإعاقة السمعية في حال زواج الأقارب.

هذا وقد يكون دور واضح للبيئة في الإصابة بالإعاقة السمعية، وذلك مثل إصابة الأمّ والطفل ببعض الأمراض كالحصبة الألمانية، وكذلك تناول العقاقير أثناء الحمل أو تناول الطفل لبعض المُضادات الحيوية، إضافة إلى الحوادث والضوضاء المستمرة المزعجة.

كما أن العوامل المرتبطة بالولادة من شأنها أن تؤثّر على حاسّة السمع لدى الإنسان، حيث تحدث الإعاقة السمعية إما قبل الولادة أو أثنائها أو بعدها، ويمكن حصر هذه الأسباب كلها في: (الوراثة، الحصبة الألمانية والإلتهابات المختلفة، إختلاف العامل الريزيسي، إلتهاب الأذن الوسطى، تسمّم العقاقير، الضجيج، الأمراض، تصلّب الأذن، الحوادث).

الخصائص المُميّزة للمعوّقين سمعياً

أصحاب الإعاقات السمعية لا يمثلون فئة مُتجانسة، حيث أن لكل فرد خصائصه الفردية، وترجع مصادر الإختلاف إلى نوع الإعاقة، وعمر الفرد عند حدوثها وشدّة الإعاقة وسرعة حدوثها، ومقدار العجز السمعي وكيف يمكن الإستفادة منه، ووضع الوالدين السمعي وسبب الإعاقة والفئة الإجتماعية والإقتصادية التي تتّصف بها الأسرة وغير ذلك، ولهذه الإعاقة تأثير ملحوظ على الخصائص النمائية المختلفة لدى الفرد لأن مراحل النمو مُترابطة ومُتداخلة.

1- الخصائص اللغوية (تأثير الإعاقة السمعية على لغة الأطفال): تؤثّر الإعاقة السمعية سلباً على جميع جوانب النمو اللغوي لدى الأطفال، فالشخص المعوّق سمعياً سيصبح أبكماً إذا لم تتوافر له فرص التدريب الفاعلة، ويرجع ذلك لعدم توافر التغذية الراجعة السمعية وعدم الحصول على تعزيز لغوي كاف من الآخرين، كما أن لغة هؤلاء الأطفال تتصف بفقرها البالغ قياسياً بلغة الآخرين ممن لا يعانون من هذه الإعاقة، وتكون ذخيرتهم اللغوية محدودة وتكون ألفاظهم تدور حول الملموس، وتتّصف جملهم بالقصْر والتعقيد علاوة على بطء كلامهم واتصافه بالنبرة غير العادية.

كما وأن هذه الإعاقة تتناسب طردياً مع مظاهر النمو اللغوي، وانخفاض أداء المعوّقين سمعياً على اختبارات الذكاء اللفظية أكبر دليل على تعبيرهم اللغوي، في حين أن أداءهم على اختبارات الذكاء الأدائية أفضل، هذا وإن الفرق بين الطفل العادي والأصم من حيث اللغة، هو أن الطفل العادي يستطيع أن يتعرّف على ردود فعل الآخرين نحو الأصوات التي يصدرها، أما الطفل المعوّق سمعياً فإنه لم يحصل على اللفظ السمعي وبذلك تزداد المشكلات اللغوية لديه بازدياد شدّة الإعاقة والعكس صحيح، فالمصابون بالإعاقة السمعية البسيطة على سبيل المثال يواجهون مشكلات في سماع الأصوات المنخفضة والبعيدة أو في فَهْم موضوعات الحديث المختلطة، ويواجهون مشاكل في فَهْم 50% من المناقشات الصفية وتكوين المفردات اللغوية، في حين أن المصابين بالإعاقة السمعية المتوسّطة يواجهون مشكلات في فَهْم المحادثات والمناقشات الجماعية وبقلة وتناقص مفرداتهم اللغوية وصعوبات في اللغة التعبيرية، أما ذوو الإعاقات السمعية الشديدة فيواجهون مشكلات في سماع الأصوات العالية وتمييزها ومشكلات في اللغة التعبيرية.

2- الخصائص المعرفية: إن ذكاء الأشخاص المعوّقين سمعياً كفئة لا يتأثر بهذه الإعاقة، كما لا تتأثر قابليتهم للتعلّم والتفكير التجريدي ما لم تكن لديهم مشاكل في الدماغ مرافقة لهذه الإعاقة، وإن المفاهيم المتصلة باللغة عادة ما تكون ضعيفة لدى هذه الفئة، وأداء أفراد هذه الفئة المتدني على اختبارات الذكاء لا يعتبر مؤشراً على وجود إعاقة عقلية بل على وجود إعاقة لغوية، لذلك يجب تكييف اختبارات الذكاء لتكون أكثر دقة في قياس ذكاء أفراد هذه الفئة، كما ويجب أن تخصّص لهم اختبارات ذكاء غير لفظية إذا ما أريد أن يقاس ذكاؤهم بشكل دقيق.

3- الخصائص الجسمية والحركية (تأثير الإعاقة السمعية على حركة الأطفال): يعاني أفراد هذه الإعاقة من مشكلات في الإتصال تحول دون اكتشافهم للبيئة والتفاعل معها، لذلك يجب تزويد أفراد هذه الإعاقة بالتدريب اللازم للتواصل مع الآخرين، لأن الإعاقة السمعية قد تفرض قيوداً على النمو الحركي لديهم، كما إن هؤلاء الأفراد محرومون من الحصول على التغذية الراجعة السمعية، الأمر الذي يطوّر لديهم أوضاعاً جسمية خاطئة، كما أن نموّهم الحركي يعتبر متأخراً قياسياً مع الأسوياء، وذلك لأنهم لا يسمعون الحركة وأنهم يشعرون بالأمن بسبب إلتصاق أقدامهم بالأرض، كما أن لياقتهم البدنية لا تكون بمستوى لياقة الأسوياء ويمتازون بحركة جسمية أقل.

4- التحصيل الأكاديمي: تؤثر الإعاقة السمعية على التحصيل الأكاديمي للأطفال، حيث إن التحصيل الأكاديمي لأفراد هذه الفئة غالباً ما يكون متدنياً بالرغم من عدم إنخفاض نسبة ذكائهم، وإن تحصيلهم القرائي هو الأكثر تأثراً بهذه الإعاقة، لذلك يأتي تحصيلهم الأكاديمي ضعيفاً ويتناسب ضعف التحصيل الأكاديمي لديهم طردياً مع إزدياد المتطلبات اللغوية ومستوى تعقيدها، كما ويزداد الطين بلّة بازدياد عدم فاعلية أساليب التدريس، فلقد أشارت بعض الدراسات إلى أن 50% من أفراد هذه الفئة ممَن هم في سن العشرين كان مستوى قدراتهم يقاس بمستوى طلاب الصف الرابع الأساسي أو أقل من ذلك، وأن 10% كانوا بمستوى الصف الثامن الأساسي، أما في مادة الرياضيات فكان مستوى الأداء لديهم بمستوى الصف الثامن، وأن 10% منهم فقط كانوا بمستوى أداء الأشخاص غير الصم، كما وأشارت دراسات أخرى إلى أن هؤلاء الأفراد لديهم صعوبات كبيرة في مادة العلوم لأن لها علاقة باللغة، والتحصيل الأكاديمي إجمالا لدى أفراد هذه الفئة يتأثر بشدة الإعاقة السمعية لديهم، وقدراتهم العقلية والشخصية، ودعم الوالدين والعمر عند حدوث الإصابة، ووضع الوالدين السمعي والإقتصادي والإجتماعي، وطرق التدريس التي يتلقاها أفرادها.

5- الخصائص الإجتماعية والنفسية: تؤثر الإعاقة السمعية على الخصائص الإجتماعية والإنفعالية لدى الأطفال، كما إن أساليب التنشئة الأسرية الخاطئة والمتمثلة بتقديم الحماية الزائدة للمعوّق سمعياً تلعب دوراً في مستوى نموه الإجتماعي بحيث يصبح إعتمادياً على الآخرين، كما إن هؤلاء الأطفال لديهم فقر في طرق الإتصال الإجتماعي، ويعانون من الخجل والإنسحاب الإجتماعي، ويتّصفون بتجاهل مشاعر الآخرين ويسيئون فَهْم تصرّفاتهم ويتّصفون بالأنانية، هذا ويتأثر مفهومهم عن ذواتهم بهذه الإعاقة وذلك من خلال عدم توافقهم النفسي وعدم الإستقرار العاطفي لديهم، حيث يتصف هؤلاء بالإذعان والإكتئاب والقلق والتهوّر، وقلّة توكيد الذات والشك بالآخرين والسلوك العدواني والسلبية والتناقض.

6- التكيّف المهني: تؤثر الإعاقة السمعية على التكيّف المهني لدى الأطفال، لأن للغة وظائف كثيرة منها التعبير عن ذات الفرد وقدرته على التواصل وفَهْم الآخرين، كما وتعتبر من أهم وسائل النمو المعرفي والعقلي والإنفعالي والنمو المهني، والذي يعتمد على تطوّر اللغة ونموّها لدى الأفراد، لذلك فإن المعاقين سمعياً يعانون من ضعف قدراتهم اللغوية ويواجهون مشكلات تكيفية في محيط الأسرة والعمل، ويظهر أفراد هذه الإعاقة ميلاً نحو المهن التي لا تتطلّب تواصلاً كالرسم والخياطة والنجارة والحدادة، لذلك فهم بحاجة إلى برامج تربوية خاصة.