#البداية_2006: انعكاس انتصار حرب تموز على تغيير معادلات المنطقة

لماذا البداية؟ ما يجري اليوم في منطقتنا وإقليمنا مرتبط بجوهر صراع المحاور في المنطقة والعالم. فتجسد الصراع في عدوان محور عبر"اسرائيل" على محور مقابل باستهداف أحد اركانه الأساسيين: حزب الله/ المقاومة.

لماذا البداية؟ ما يجري اليوم في منطقتنا وإقليمنا مرتبط بجوهر صراع المحاور في المنطقة والعالم. فتجسد الصراع في عدوان محور عبر"اسرائيل" على محور مقابل باستهداف أحد اركانه الأساسيين: حزب الله/ المقاومة. أهداف حرب تموز المعلنة كانت متعددة، أبرزها الذي أعلن، القضاء على حزب الله، والمقاومة تحت شعار القضاء على ما سماه الاسرائيلي بالارهاب في حينه، وكذلك إقامة "الشرق الأوسط الجديد" كما أعلنته كونداليزا رايس بوضوح.

لكن ماذا لو أن تلك الحرب حققت أهدافها، أي انتصرت اسرائيل وانهزم حزب الله، ماذا كانت صورة المنطقة؟ لو انتصرت اسرائيل، لانتهى حزب الله لا بل استُئصل حزب الله وقيادته كما كانت تخطط تل أبيب وواشنطن (إدارة جورج بوش). وانتهاء حزب الله يعني انتهاء المقاومة في لبنان. ويعني إضعاف سوريا لأنها كانت محاصرة وقتذاك باتهام اغتيال الحريري. ويعني أيضاً إضعاف المقاومة الفلسطينية التي ترتبط بالمقاومة في لبنان بعلاقات أكثر من عميقة، علاقات عسكرية وليس فقط علاقات سياسية وغيرها.. لماذا؟ ببساطة لأن هزيمة المقاومة في لبنان كان يمكن أن تساهم في عزل إيران أكثر في المنطقة، وإضعافُ ايران، يعني إضعافاً لسوريا وللمقاومة الفلسطينية حتماً، هذا ناهيك عن إضعاف المقاومة في العراق ضد الاحتلال الأميركي، لأن اسران/ الجمهورية الاسلامية هي بالفعل رأس حربة هذا المحور.. لكن الذي حصل هو العكس تماماً، إذ بصمود حزب الله، وبالتالي إخفاق إسرائيل عسكرياً وسياسياً، يمكن القول إن المقاومة في لبنان، أي تحديداً حزب الله ومن ثم حلفاؤه في المنطقة، حققوا نصراً استراتيجياً كبيراً، انعكس هيبة لحزب الله ولمشروع المقاومة في العمق ولقواه في المنطقة، تياراتٍ ودولاً.

لو انكسر حزب الله، لكنّا في أدران "الشرق الأوسط الجديد"... يعني هيمنة أميركية كلية على المنطقة.  ويعني بالتالي، لا صوت إقليمياً أو دولياً له في منطقتنا العربية مطلقاً. فروسيا وقتذاك لم تكن بهذه القوة الحالية، واستراتيجية موسكو في حينه كانت مع تعزيز العلاقات الشاملة مع واشنطن وأوروبا والغرب عموماً، ولم تكن معنيّة بأي منافسة مع أميركا وغيرها في منطقتنا. الأمر ذاته ينسحب على الصين وأكثر.. "الشرق الأوسط الجديد" كان سيؤدي بالضرورة إلى هيمنة إسرائيلية بعصاها وقوتها العسكرية والاقتصادية والأمنية، وستصبح الوكيل الحصري المعلن لأميركا والأطلسي بلا منازع. كل ذلك كان وسط تحالف بلدان خليجية وعربية بشكل علني مع واشنطن، وتقديمها غطاء كاملاً للعدوان الإسرائيلي على لبنان ومقاومته.

فلنتذكر، مع بداية العدوان، اتهمت السعودية بوضوح حزب الله بأنه المسؤول عن الحرب، ولم تشر إلى أي مسؤولية لاسرائيل، واعتبرت ما قام به حزب الله (مغامرة غير محسوبة)! دعم السعودية علنا أيضاً وقتذاك نظام حسني مبارك، وعواصم خليجية وعربية أخرى للاسف! كلهم شكلوا غطاء لا شرعياً لعدوان إسرائيلي لا شرعي على مقاومة لبنانية شرعية.  الذي حدث في النهاية أن حزب الله  صمد وانتصر، وإسرائيل انتكست، وخيارات من أيدها في المنطقة هزمت! لذا نقول: بداية تغير المعادلات في منطقتنا يعود بالضرورة إلى نصر تموز.. أيضاً لماذا؟

انسحبت إرادة المقاومة في لبنان على الصمود وتحقيق نصر واضح على جميع القوى والفصائل والعواصم المعنية بالمقاومة. حزب الله كسر هيبة الجيش الذي لا يقهر، لذا صمدت المقاومة الفلسطينية أكثر في العدوان على غزة. لذا ايضاً، تعززت المقاومة العراقية الحليفة لحزب الله وطهران وأثبتت جدارتها، وهي التي كان لها الدور الأبرز في إنهاء الاحتلال الأميركي للعراق. هذا بات معروفاً الآن بعد مضي كل هذه السنوات. لم يكن معروفاً ولا واضحاً للرأي العام العربي، لكن واشنطن كانت تعلم من هي المقاومة الحقيقية لها واحتلالها في العراق.

أكثر من هذا، كان يراد للربيع العربي أن يكون مقتلاً لحزب الله وجميع قوى ودول الممانعة والمقاومة. اختاروا شعارات طائفية ومذهبية. أشعلوا المنطقة حروباً وتدميراً. لكن الذي حصل أن السحر انقلب على الساحر.

في الواقع، كانوا يريدون تشويه صورة حزب الله والسيد حسن نصرالله بل ومحور المقاومة ككل... نجحوا نسبياً في هذا لاسيما مع بداية "الربيع العربي الزائف والثورات المخطوفة". لكن الأوضاع تغيرت وانكشفت الحقيقة أمام أغلبية الجماهير والشعوب العربية بعد كل هذه السنوات... استخدموا الجماعات التكفيرية أرضية خصبة للتحريض والفتن والقتل والتدمير... لكنهم أخفقوا. الدليل هو العراق الذي تحرر من داعش، وسوريا التي تستكمل تحرير أراضيها... فبدل تشتيت قوى المقاومة ومحورها، فإذا بمحور المقاومة يتعزز أكثر. تتماسك لحمته، ميدانياً وعسكرياً وسياسيا وبالتالي استراتيجياً... بمعنى آخر، بدل أن تكون فتن الربيع العربي الزائف مستنقعاً لحزب الله ومقتلاً لمحور المقاومة، فهي أصبحت ساحة توحد لهذا المحور. ليس هذا فقط، بل اتسعت دائرة هذا المحور أكثر، حيث أرادوا تدمير اليمن وتطويعه وإدخاله بقوة إلى المحور الأميركي الاسرائيلي السعودي، من خلال حرب أرادوها سريعة وناجحة كلياً، فإدا بها بعد أكثر من أربع سنوات تسير في الاتجاه المناسب لمحور المقاومة، ونتحدث في الجيوستراتيجيا هنا.

 ليس هذا فقط، بل إن دولاً كبرى في العالم باتت عنصر قوة في المنطقة وحليفة لمحور المقاومة في أكثر من ساحة. نعني روسيا والصين تحديداً. البوابة كانت سوريا. لكن بصراحة، لولا صمود دمشق، ودعم حلفائها في محور المقاومة لها بقوة، لما كانت روسيا أن تكون في منطقتنا بقوتها وقواتها العسكرية وعلى أرض سوريا، بكل ما يعنيه ذلك من معادلات دولية تتغير بتصاعد..هل هناك من يشك اليوم في أن الصين وروسيا يشكلان إشكالية جدية لواشنطن والأطلسي؟ فتصوروا لو أن واشنطن نجحت في إقامة ما سمته "الشرق الأوسط الجديد"، هل كنا سنرى روسيا وغيرها في منطقتنا بهذالشكل؟ يستحيل!

إيران ذاتها، التي تعتبرها إسرائيل وكذلك أميركا "رأس الأفعى" (كما تقول واشنطن وتل أبيب) لكل هذا المحور، وشوكة حادة في خاصرة أميركا وإسرائيل، إيران هذه باتت في موقع غير مسبوق في قوتها وهيبتها، وإمساك طهران بزمام المبادرة في الخليج، تكسر هيبة أميركا وبريطانيا، وتحدد معادلات جديدة في المحيط والخليج والمضيق... تصورا لو أقيم الشرق الأوسط الجديد، بعد هزيمة حزب الله، هل كنا سنجد أنفسنا أمام هذا المشهد الذي لم يكن يتوقعه أحد، حيث تسقط طهران أهم طائرة مسيرة ضخمة،  تصادر ناقلة نفط بريطانية من أمام أعين القوات البريطانية، تفرض معادلات أمنية بحرية في الخليج ومضيق هرمز، وتحدد معايير جديدة ومختلفة، لا  بل لم يكن أحد ليجرؤ على مجرد الحديث عن أميركا وانتقاداها الخ.. لذا نحن أمام واقع مختلف كلياً.. هو أيضا في بدايته.

كان نصر تموز "البداية،" فعلياً.