إردوغان: العدو أمامه والبحر من ورائه

يواجه وسيواجه الرئيس إردوغان خلال الشهر الجاري أكثر من أزمة على الصعيدين الداخلي والخارجي وهو الآن في وضع لا يحسد عليه أبداً بعد أن حكم البلاد 17 عاماً دون منازع.

إردوغان الآن في وضع لا يحسد عليه أبداً
إردوغان الآن في وضع لا يحسد عليه أبداً

فقد أعلن رئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو آستقالته من حزب العدالة والتنمية الذي كان زعيماً له وشنّ هجوماً عنيفاً ضد الرئيس إردوغان وأتهمه بانتهاج سياسات فاشلة في جميع المجالات وأعلنه عدواً للديمقراطية. وهذا ما سيفعله قريباً  وزير الاقتصاد السابق علي باباجان المدعوم من الرئيس السابق عبد الله جول وحربه ستكون أعنف بكثير .

وتوقعت  الاستطلاعات لشعبية العدالة والتنمية أن تتراجع إلى 30 % في أول انتخابات قادمة بعد الإعلان عن حزبي داوود أوغلو وباباجان. بالمقابل الرئيس أردوغان سيسعى لمواجه الضغوط السياسية والاقتصادية الداخلية بالحصول على دعم 'الحليف التقليدي'  ترامب وسبق له أن هدد وتوعد أنقرة في موضوع أس 400. وتسبعد المعلومات للرئيس ترامب أن  يجتمع مطولاً مع أردوغان خلال مشاركتهما في أجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة وهو ما سيقرره بعد الاطلاع على  نتائج القمة التركية-الروسية-الإيرانية في أنقرة يوم الإثنين.

إذ ستنعكس نتائج القمة سلباً كان أم إيجاباً على موقف أنقرة في موضوع المنطقة الآمنة التي بات واضحاً أنها تحولت لمصدر قلق بالغ بالنسبة لأنقرة بسبب التواجد العسكري الأميركي شرق الفرات. ويعرف الجميع أن الرئيس أردوغان بات  أمام خيارين أحلاهما مر شرق الفرات بعد أن أتفق مع الأميريكين حول المنطقة الآمنة فخدعوه كما هم يفعلون ذلك مع الجميع. فأردوغان لا ولن يستطع القيام بأي عمل عسكري ضد الأكراد طالما هم يحتمون بالعلم الأميركي حالهم حال قوات سوريا الديمقراطية التي تأتمر قياداتها هي أيضاً بأوامر وتعليمات الضباط الأميركين. 

كما أن اتفاق المنطقة الآمنة لن يخرج عن سياقه الضيق والمحدود حاله حال أتفاق منبج حيث الدوريات التركية - الأميركية المشتركة التي لا تحيي ولا تميت. وهذا هو حال الدوريات الروسية - التركية في مناطق خفض التصعيد التي بات واضحاً أن الجيش السوري يستعد لأزالتها من الخارطة الجغرافية حتى إذا استمر النقاش السياسي التركي - الروسي حول مصير أدلب. فقد أتخذت الدولة السورية قراراتها السياسية والعسكرية والأمنية لتحرير أدلب ومحيطها بالكامل ومهما كلفها ذلك وبأقرب زمن ممكن. فالموضوع له تأثير نفسي كبير على الشارع الشعبي السوري وبالتالي على دعم ورقة المصالحات الداخلية وأخيراً إرسال أشارات مهمة إلى الخارج للحصول على المزيد من الاعتراف الدولي بشرعية الرئيس الأسد وقوته  ومن ثم تشجيع الدول العربية والغربية لإعادة فتح سفاراتها في دمشق.

هذا إذا تجاهلنا تفرغ الرئيس الأسد بعد أو قبل ذلك لمعالجة الوضع شرق الفرات سياسياً واجتماعياً (عشائرياً) وأخيراً عسكرياً. على أن يكون التواجد التركي العسكري غرب الفرات من جرابلس إلى عفرين الحلقة الأخيرة في مسلسل القرارات السورية الحاسمة والملحة والتي سيحيل الرئيس الأسد أمرها للرئيس بوتين الذي أدخل القوات التركية إلى المنطقة في 24 آب 2016. 

في الوقت الذي يعرف فيه الجميع أن الرئيس إردوغان أستغل دائماً مثل هذه الظروف الخارجية السلبية لشحن المزيد من الشعور تارة القومي وتارة الديني 'ضد أعداء الأمة والدولة' في الداخل والخارج ليتجاوز بذلك أصعب أيامه وكما فعل ذلك  نهاية 2013 عندما تعرض لاتهامات جدية بالتورط في قضايا فساد خطيرة طالته ونجله وأربعة من وزرائه. وهو الآن يفعل نفس الشيئ ليحافظ على ما تبقى من شعبيته وقدرتها استطلاعات الرأي بأقل من 40% بعد أن كانت في انتخابات الرئاسة في حزيران العام الماضي أكثر من 52%. 

فأردوغان يقاتل وسيقاتل في العديد من الجبهات ضد الكثير من الأعداء وعددهم أكثر مما يتوقعه البعض في الداخل والخارج ويتهمونه معا بارتكاب أخطاء جسيمة أوصلت تركيا إلى نهاية النفق المظلم. ودون أن يعترف أردوغان بأي من هذه الأخطاء أو يتراجع عنها وسيقاتل حتى النهاية ليقول لمن هم معه 'العدو من أمامكم والبحر من ورائكم وأنا قاربكم للنجاة'. 

فقد أختار إردوغان لنفسه طريق الخلافة والسلطنة التي أعتقد أنها ستكون له بفضل الإسلاميين العرب الذين بايعوه  فخذلوه بعلم أو بدونه. فالجهل ثم الخوف من أميركا والعمالة لها قاسمهم المشترك كما هو الحال للعديد من ملوك وأمراء ورؤساء المنطقة الذين يتحدثون دائماً بأسم الدين وهم بعيدين عنه كل البعد عقائدياً وعملياً وإلا لماذا نتحدث نحن الآن عن سوريا وبحل مشكلتها تنتهي جميع مشاكل أردوغان وقبل ذلك عليه أن يتخلص من رفاق الأمس أعداء اليوم!