سيناريوهات الحرب الإردوغانية: تسلية أم ماذا؟!

يا تُرى من وكيف ستُحل الألغاز الصعبة في سياق سيناريوهات الرئيس إردوغان؟ ومفاجآتها أكثر بكثير مما يتوقعه الجميع، ونحن نتصور الصواريخ والطائرات والأقمار الصناعية والمسيّرات الروسية والأميركية فوق رؤوسنا من دون أن ندري من سيُسقط من؟! 

سيناريوهات الحرب الإردوغانية: تسلية أم ماذا؟!
سيناريوهات الحرب الإردوغانية: تسلية أم ماذا؟!

لقد كانت تركيا بعد العام 2011 ومعها جميع الدول الغربية والخليجية في خندق واحد ضد الرئيس السوري بشار الأسد، المدعوم من روسيا وإيران وحزب الله. 

كانت تركيا قبل ذلك ومنذ 1946 في الخندق الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي والشيوعية والتيار القومي الناصري، فدخلت في الحلف الأطلسي وأسست حلف بغداد وتحالفت مع إسرائيل، ثم سمحت لأميركا بإنشاء عشرات القواعد البرية والبحرية والجوية على أراضيها، ومنها قاعدة مرتد، التي وصلتها صواريخ أس - 400 الروسية في تموز/ يوليو الماضي. 

وكانت هذه الصواريخ سبباً في الفتور والتوتر بين أنقرة وواشنطن، التي عدّت وحدات حماية الشعب الكردية حليفاً استراتيجياً لها، بعدما تهربت من التعاون مع تركيا في موضوع منبج. 

هنا بدأت لعبة الشطرنج المعقّدة داخل المثلث الروسي- التركي-الأميركي مع استمرار الخلافات بين الأطراف الثلاثة بشأن مجمل التفاصيل المتعلقة بسوريا، التي تحولت إلى ساحة تصفية حسابات سياسية واستراتيجية بين موسكو وواشنطن، وتصفية حسابات تاريخية وعقائدية بالنسبة إلى "العثماني الجديد" أردوغان. 

اعترضت واشنطن على شراء تركيا صواريخ أس 400 الروسية، وقالت "إنها تمثّل خطراً على طائرات أف 35 الأميركية، التي تساهم تركيا في تصنيعها"، فرفض الأميركيون تسليم هذه الطائرات إلى تركيا بحجة أن منظومة أس - 400 ستمثّل خطراً عليها، فيما تملك إسرائيل مجموعة من هذه الطائرات. 

وإذا بالغنا في السيناريو المحتمل، فإن هذه الصواريخ ستمثّل خطراً على الطائرات الأميركية، التي قد تقلع من قواعدها في تركيا وعددها 12 قاعدة، وتحتضن 50 قنبلة نووية، وتتولّى إحدى هذه القواعد رصد تحركات الصواريخ الباليستية الإيرانية إذا انطلقت باتجاه إسرائيل.

وكانت المفاجأة الأغرب عندما قال إردوغان في 27 من الشهر الماضي خلال لقائه الرئيس بوتين في موسكو "إننا نفكر في شراء طائرات سو 57 إذا رفضت واشنطن بيعنا طائرات أف 35"، من دون أن تمنع كل هذه التناقضات الرئيس إردوغان من الاتفاق مع الأميركيين على المنطقة الآمنة شرق الفرات، وعلى الرغم من تهديدهم لتركيا في حال هجومها على الكرد.

ولمزيد من الإثارة، فإن الرد الأميركي على تركيا سوف يأتي من قاعدتي العديد والسيلية في قطر، حليفة الرئيس إردوغان، التي تحتضن 15 ألف عسكري أميركي ونحو 100 طائرة، وستتصدى لهذا العمل منظومة أس 400 الروسية في حال المواجهات الساخنة، التي ستستخدم فيها تركيا سو-57 الروسية، فتتصدى لها في المقابل الطائرات الأميركية التي ستنطلق من قواعدها في تركيا. وبهذا يختلط الحابل بالنابل في فيلم هوليودي أميركي بحت، وقد يكون للتسلية فقط!  

لكن الأمور ليست بهذه البساطة، فتعالوا نعقّد الأمر أكثر وقد ساعدنا على  ذلك الرئيس إردوغان الجمعة الماضي عندما قال إنه "سيبحث مع الرئيس ترامب خلال لقائه به الأسبوع المقبل شراء صواريخ باتريوت الأميركية، التي اختلفت الآراء بشأن أهدافها"، فما دامت أميركية فمن المفترض أن تعمل ضد الطائرات والصواريخ الروسية، سواء أكانت في تركيا أم في قاعدة حميميم، وستعزز ذلك إذا فشل التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن إدلب ولاحقاً غرب الفرات.

هذا الاتجاه سيؤدي إلى مواجهات ساخنة على جميع الجبهات، وسيعني كل ذلك عودة العداء بين الطرفين التركي والروسي، كما كان عليه الوضع عندما أسقطت تركيا الطائرة الروسية في شمال سوريا بتاريخ 24 تشرين الثاني/ نوفمبر2015، الذي أدى حينها إلى توتر خطير تجاوزه إردوغان عبر الاعتذار من بوتين في 27 حزيران/ يونيو 2016 ليُسمح له بدخول جرابلس في 24 آب/ أغسطس 2016 لمحاربة داعش، فاستولى الجيش التركي على غرب الفرات بأكمله، فيما سيطرت وحدات حماية الشعب الكردية على شرق الفرات بدعم من القوات الأميركية، التي يرى فيها إردوغان خطراً على تركيا، باعتبارها امتداداً لحزب العمال الكردستاني التركي، الذي يقاتل ضد تركيا منذ 40 عاماً. وكانت الاستخبارات الأميركية قد أقدمت في 14 شباط/ فبراير 1998 على اختطاف زعيم حزب العمال عبد الله أوجلان من كينيا، وسلمته لأنقرة، ثم أخذت الداعية فتح الله غولن إلى أميركا، فقام بمحاولة الانقلاب الفاشل ضد إردوغان في 15 تموز/ يوليو 2016 وقيل إن بوتين ساعده على التصدي له وإفشاله. 

والسؤال: يا تُرى من وكيف ستُحل هذه الألغاز الصعبة في سياق سيناريوهات الرئيس إردوغان، ومفاجآتها أكثر بكثير مما يتوقعه الجميع، ونحن نتصور الصواريخ والطائرات والأقمار الصناعية والمسيّرات الروسية والأميركية فوق رؤوسنا من دون أن ندري من سيُسقط من؟! 

فبين إردوغان وترامب غرام تقليدي، وحاجة إلى المال، وملف فتح الله غولن، وصواريخ باتريوت، وطائرات أف -35، وحلف أطلسي، ومنطقة آمنة، ووحدات حماية الشعب الكردية وقوات سوريا الديمقراطية وشرق الفرات.

وبين إردوغان وبوتين غاز طبيعي، ومفاعل نووي، وتجارة وسياحة وصواريخ أس -400 وطائرات سو -57 ومروحيات، إضافة إلى عشرات الفصائل المسلحة وملف إدلب ونقاط مراقبة، وأستانا وسوشي وغرب الفرات، والأهم من كل ذلك الرئيس الأسد.

في جميع الحالات نهاية هذا الفيلم لن تكون سعيدة، بعدما أثبتت السنوات الثماني الماضية أن الحظ لن يحالف إردوغان بعد الآن، طالما أنه يراهن على تناقضات الآخرين، وهو في وضع لا يحسد عليه أبداً، ولا حول له ولا قوة بعد الآن!