الشرق الأوسط مُهدَّد بثوراتٍ حقيقيةٍ بسبب الاحتباس الحراري

تشير أحدث التقارير الصادِرة عن الأمم المتحدة إلى أن ما بين 7 إلى 10 ملايين شخص في الشرق الأوسط سيضطرون إلى مُغادَرة مناطقهم خلال عَقْدٍ من الزمن بسبب الاحتباس الحراري.

الشرق الأوسط مُهدَّد بثوراتٍ حقيقيةٍ بسبب الاحتباس الحراري
الشرق الأوسط مُهدَّد بثوراتٍ حقيقيةٍ بسبب الاحتباس الحراري

لا تبدو قضية التغيّر المناخي في صُلبِ أولويات دول غرب آسيا، في ظلّ إغفال التقارير والدراسات حول تأثير هذه الظاهِرة العالمية على نشوب الحروب، والنزوح والأمن. لسنا نتحدَّث هنا عن الصِراع على الموارد المائية كسببٍ للصراعات، بل المقصود تلك التغيّرات التي تطرأ على المجتمعات ببطءٍ نتيحة الجفاف الذي يُصيب الأرياف فيضطر معها مئات آلاف الأفراد إلى الانتقال إلى المدن الرئيسية للحصول على فُرَصٍ أفضل بسبب تراجُع الإنتاج الزراعي (بفعل المناخ)، ما يؤدّي إلى تحوّلاتٍ ديموغرافيةٍ خطيرةِ وتوسّع الفروقات الطبقيّة بين شرائِح المجتمعات ما بين الوافِدين إلى هذه المدن وقاطنيها الأصليين.

تولي الحكومات الأوروبية أهميّة قصوى لهذه المسألة، لا في دولها فقط، بل في الشرق الأوسط أيضاً، كونها تُدرِك الآثار البعيدة المدى الناجِمة عن الاحتباس الحراري على مُستقبلها.

أولى التقارير التي تناولت الحرب السورية من هذه الزاوية صدرت في أوروبا مع بدء الحرب، بعد أن كانت أرقام المؤسَّسات الدولية تُحذّر خلال العقدين الأخيرين من تداعيات ارتفاع درجات الحرارة والجَفاف على دول الحوض الشرقي للمتوسّط.

أشارت إحدى الدراسات إلى أن أحد الأسباب الرئيسية الداخلية للأزمة السورية اتّساع الهوَّة الطبقيّة، نتيجة نزوح الآلاف من الأرياف إلى المدن بدءاً من العام 2002، ما أدَّى إلى زيادةٍ سكانيةٍ في بعض المدن السورية بنسبة 50%، من دون أن تَقدر الدولة على مُعالجة تبِعات هذه الزيادة بالسرعة اللازمة.

هكذا نوع من النزوح الداخلي يجري التحكّم به من الدولة مباشرة عبر سياسات على المَدَيين القريب والبعيد.

ينقل دبلوماسي أوروبي عمل في عدَّة دولٍ عربيةٍ في الشرق الأوسط، ومنها لبنان وسوريا، أن أحد الأهداف الأساسية للتدخّل الأوروبي في قضايا المنطقة هو ضَمان عدم حصول موجات هجرة إضافية إلى الدول الأوروبية، وأن العديد من الحكومات الأوروبية، خاصة في الدول الاسنكندنافية، تنظر إلى ضرورة تنفيذ مشاريع في الشرق الأوسط تُكافِح الاحتباس الحراري وتزيد من الوعي العام حول خطورته على أنها استراتيجية ضرورية لوقف الهجرة باتجاه القارَّة العجوز.

لكن الاستراتيجيات العامة لدول غرب آسيا، ومنها لبنان وسوريا، لا تَلحَظ إجراءات أو رؤية تُذكَر حول كيفيّة التعامُل مع تغيّر المناخ في هذه المنطقة من العالم.

وتشير أحدث التقارير الصادِرة عن الأمم المتحدة إلى أن 7 إلى 10 ملايين شخص في الشرق الأوسط سيضطرون إلى مُغادَرة مناطقهم خلال عَقْدٍ من الزمن بسبب الاحتباس الحراري.

وبحسب مؤتمر عُقِدَ مؤخّراً في هولندا، فإن تبدّل المناخ العالمي سيكون أحد أسباب الموجة المقبلة من الثورات في الشرق الأوسط، كما أنه يُشكّل سبباً مباشراً لنشوء حركات مُتطرّفة كـ"داعش" التي تعوِّض لسكّان الأرياف الخسائِر الناجِمة عن تراجُع أوضاعهم المعيشية. وعَرَضَ المؤتمر في الافتتاح رَسْماً بيانياً يُظهِر انخفاض معدّلات الأمطار في سوريا والعراق مُقارَنة بارتفاع درجات الحرارة في هاتين الدولتين منذ العام 2011، مُشيراً إلى خطورة هذا الأمر على الموارِد المائية والقطاع الزراعي تحديداً.

وفي منطقة كالشرق الأوسط تستورد 65% من حاجاتها من المحاصيل الزراعية، فإن أيّ ارتفاع في الأسعار أو اضطرابات اقتصادية من شأنها أن تُطلِق شَرارة الثورات الاجتماعية، عِلما أنه في بعض الحالات، كما في لبنان، أدَّى إهمال الدولة للموضوع البيئي وفشلها في التعامل مع إدارة النفايات، إلى اجتماع اللبنانيين للمرة الأولى من مختلف الانتماءات في تظاهُرةٍ احتجاجيةٍ ضخمة. وإنْ كانت التركيبة السياسية اللبنانية قد تكفَّلت في إفشال الاحتجاج في محاولته الثانية، فإن العنصر الأهم في تلك الحادِثة أنها وحدَّت آلاف اللبنانيين من طوائف مُتعدِّدةٍ على عَدَم الوثوق بالطبقة الحاكِمة.