سيناريوهات الانتفاضة: هل يتجه لبنان نحو الفوضى؟!

ينتظر المتظاهرون قرارات تؤكد النية على الإصلاح، عبر إدخال قرارات رفع السرية المصرفية واستعادة الأموال المسروقة من صفقات الفساد حيّز التنفيذ.

  • هناك مخاوف حقيقية من أن يتحول مسار الأحداث نحو سقوط دماء في الشارع (أ ف ب)

لا يوجد حل سحري لسحب اللبنانيين من الشارع. أما الحديث عن مدى "براءة" الحراك الشعبي ومدى نجاح جهات عديدة في اختراقه لحرفه نحو شعارات سياسية، فهو أيضاً استنتاج متأخر، ذلك أنّ النتيجة واحدة: الشعب لم يحصل بعد على ما يلبّي مطالبه الاجتماعية، كما أن أداء السلطة المتراكم عبر عقود من الزمن كان سيئاً بكل حال.

تُجمع العديد من الأطراف المشاركة في السلطة أنّ اتخاذ أقطاب الحُكم قراراً جريئاً كجواب على التظاهرات العفوية في الأيام الأولى كان من شأنه تنفيس الإحتقان الشعبي ومنع اتساع هوة "عدم الثقة" مع الرأي العام.

في موازاة هذه المراجعة، تضيق الخيارات مع مرور الزمن. بل يُمكن القول إنّ تصفية بعض السياسيين للحسابات بين بعضهم يؤجج الشارع ويزيد من قناعة المتظاهرين بعدم الرهان على أغلبية الطبقة الحاكمة.

ولكن وسط هذا المشهد الشديد التعقيد، هناك مخاوف حقيقية من أن يتحول مسار الأحداث نحو سقوط دماء في الشارع، بغض النظر عن أسباب ذلك والأطراف المتورطة فيه.

إلى أين تتجه الأمور؟ هل نحن أمام مشهد فراغ وفوضى أم أن هناك سقفاً يخضع له الجميع؟

هناك عاملان محليان مؤثران في الفيسفساء اللبنانية: الجيش اللبناني وحزب الله.

فالمؤسسة العسكرية هي محل إجماع لدى جميع الطوائف، لكونها تضم النسيج اللبناني المنصهر في عقيدة وطنية موحدة.

أما حزب الله فهو الطرف السياسي القوي الذي لا يمتلك أي مصلحة في حصول الفوضى أو ذهاب البلد إلى سيناريو دموي.

لكن هل بإستطاعة هذين العاملين تقديم الحل؟

ليست المشكلة في تصدّي الجيش اللبناني لأي شكل من أشكال الُحكم في الجيش نفسه، فضباط المؤسسة العسكرية على مستوى عالٍ من الكفاءة بحسب ما يفرضه عليهم مسار التدرج، لكن المشكلة في مدى موافقة الأحزاب السياسية على حُكم بملامح عسكرية على مستوى السلطة التنفيذية.

كما أن المزاج العام اللبناني اعتاد على سنوات من "اللانظام"، وهو واقع يتنافى تماماً مع انضباطية المؤسسة العسكرية، وبالتالي فإن الإعتراض على أي تجربة محتملة لتعديل دور الجيش في منظومة الحُكم من شأنه أن يتعرض لسهام الأحزاب المتضررة من ذلك وجزء من الرأي العام المتأثر بالدعاية السياسية.

أما في ما يخص حزب الله، فهو، بغض النظر عن أي موقف منه، المُكوّن القادر على فرض إيقاعٍ على مشهد الخلافات بين أغلبية السياسيين في الأوضاع العادية. المشكلة أنّه في هذه التجربة لا يمتلك القدرة على تقديم رؤية إقتصادية كاملة، وإن كان تصدّيه في الأصل لهذه المسألة فيه نوع من المخاطرة الكبيرة، وهو الذي صنع هويته ودوره وموقعه محلياً وإقليمياً في مجال مختلف تماماً عن الهموم المعيشية والأمن الاقتصادي.

لكن الإشكالية التي يواجهها حزب الله لا تنفي أنّه يُعدّ عنصراً هاماً في دعم أي مبادرة للحل تضع حداً لسير البلد نحو الفوضى.

أين الحل إذاً؟

يكمن الحل في استعادة ثقة الرأي العام عبر إجراء شجاع، وإن تأخر اتخاذه.

ينتظر المتظاهرون قرارات تؤكد النية على الإصلاح، عبر إدخال قرارات رفع السرية المصرفية واستعادة الأموال المسروقة من صفقات الفساد حيّز التنفيذ.

من شأن هكذا خطوة أن تتيح للحريصين على استقرار البلاد فرصة صياغة حلول لاحقة ينادي بها المتظاهرون، وعندها يمكن بالتأكيد تمييز العفوي من الحراك والمشبوه من محاولات أحزاب سياسية، وربما أطراف دولية، في استثماره.