انتصارات ترامب "الوهمية" وأخطاؤه خلال الإعلان عن مقتل البغدادي!

الأصعب بالنسبة للرئيس الأميركي، هو الحفاظ على المصداقية وعدم نشر الأخبار الكاذبة وادعاء انتصارات وهميّة، في عصر أصبح فيه الناس عبر السوشال ميديا، بمثابة مدققي حقائق محترفين.. نعرض في هذا التقرير مجموعة ملاحظات حول إعلان ترامب عن قتل البغدادي.

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأحد الماضي مقتل زعيم تنظيم "داعش" أبو بكر البغدادي في عملية أميركية شمال غرب سوريا. ما حصل ليس حدثاً عادياً رغم تكرر شائعات مقتله لسنوات عدّة، ولم يكن أيضاً خطاب ترامب يومها عادياً أو مشابهاً لإطلالاته الإعلامية ومؤتمراته الصحفية السابقة. تحدث كثيراً، استفاض في شرح العملية لتعزيز موقفه أمام الجمهور الأميركي الذي يتحضر لانتخابات قريبة، وأمام العالم الذي يعيش للمرة الخامسة ربما إعلان مقتل البغدادي، ويحتاج أن يصدق بشدّة أنّه فعلاً قد قُتل!.

1-"قُتل وهو يبكي كجبان ولم يمت بطلاً!"

قُتل البغدادي إذاً، هي ليست عمليّة اعتيادية بالنسبة للولايات المتحدة، وخاصة بالنسبة لترامب الذي يبحث عن نصر وهميّ. توسّع الرئيس الأميركي في وصف حالة البغدادي وكأنّه كان حاضراً بشكل شخصيّ في العملية. "حشر في نفق ففجر نفسه ومعه أطفاله"، هكذا وصف ترامب طريقة مقتل البغدادي، مضيفاً: "هذا اللص الذي حاول ترهيب الآخرين، أمضى آخر لحظات حياته في خوف وهلع. قُتل وهو يبكي كجبان ولم يمت بطلاً".

يعرف العالم أن البغدادي ليس بطلاً، ولكن تشديد ترامب على توصيف بكائه وحالته المزرية قبل مقتله، كان يهدف لإبراز الولايات المتحدة في موقع القوّة أمام ضعف البغدادي واستسلامه في لحظات حياته الأخيرة، وكأنه كان يقول للعالم بوصفه: "لقد خلصناكم من الخطر الأكبر!".

2-"كنت أبحث عنه لثلاث سنوات، كنت أبحث عنه"

أسند ترامب بوضوح هذا النصر "التاريخيّ" له. هو من كان يبحث عن البغدادي، وليس الولايات المتحدة. هو من وجده طبعاً، وليس بلاده. إذاً هو نصر شخصيّ وانتخابيّ بحت، يتعلق باسم دونالد ترامب وليس "إنجازاً كبيراً" للولايات المتحدة.

3-معلومة جديدة: البغدادي كان عنيفاً!

أخبرنا الرئيس الأميركي خلال خطابه أن أبو بكر البغدادي كان عنيفاً وقاسياً. معلومة جديدة، لم يكن يعرفها العالم، الذي عانى لسنوات من بطش داعش الذي أعدم الأقباط، حرق الطيّار الأردني، فجر الجوامع وقتل الناس بالرصاص والسكاكين. ربما لم ينتبه ترامب إلى أنّ جرائم داعش وثِقت كاملةً بالصوت والصورة، وأن تلك المشاهد ستبقى راسخة في ذاكرة الناس سنوات طويلة.

4-خطاب شكر أم هجوم على روسيا؟

طبعاً عبّر ترامب عن شكره الكبير لروسيا التي دعمت العمليّة. الخطاب حتى الآن منسجم وواضح، يشكر فيه عدوّه الأوّل ولا ينكر فضله في محاربة داعش، ولكن للأسف لم ينتهي الخطاب بالوتيرة الهادئة نفسها تجاه روسيا. ما هي إلا دقائق، حتى شدد ترامب هجومه، مرجعاً فضل كل النجاحات في محاربة الإرهاب إلى نفسه وبلاده. قال الرئيس الأميركي: "بينما تقوم روسيا والصين ببناء جيوشها، تقوم واشنطن بإضعاف جيشها في الشرق الأوسط". عبارة تهاجم البلدين أكثر مما تدعم قرار ترامب بسحب قواته مؤخراً من شمال سوريا، طبعاً مع الاحتفاظ ببعض القوات لحماية "إسرائيل".

5-قتلنا حمزة بن لادن أيضاً!

حاول ترامب خلال خطابه تذكير العالم بـ"انتصاراته" السابقة. لقد قتلت الولايات المتحدة حمزة بن لادن في أيلول/سبتمبر الماضي، الإبن العنيف لأسامة بن لادن، "الذي قال أموراً سيئة جداً عن الناس، عن بلدنا، عن العالم". هنا يحق للناس التساؤل: هل بن لادن وحده من قال أموراً تسيء إلى أميركا والعالم؟، إذاً ماذا فعل ترامب حين تحدث عن المسلمين والمهاجرين غير الشرعيين. ألم يكن هو نفسه من اقترح مؤخراً "إطلاق التماسيح والأفاعي على المهاجرين لمنعهم من التسلل"؟.

6-من يستخدم الانترنت أفضل من ترامب؟

"كما تعرفون، يستخدمون الانترنت أفضل من أيّ شخص آخر في العالم، ربما ما عدا دونالد ترامب". بهذه العبارة تفاخر الرئيس الأميركي بتفوّقه على تنظيم داعش الإرهابي باستخدام الانترنت. إذاً يستخدم ترامب "السوشال ميديا" أفضل من داعش. من الجيّد أن يعرف المستمعون إلى الخطاب أنّ تغريداته أقوى وأهم وأعمق من كل البروبغندا التي لا زالت داعش تنشرها حتى اليوم في العالم الذي عجز عن إضعاف فكرها المتشدد!.

7-ما علاقة بورتوريكو؟

متحدثاً عن الإرهاب وداعش، قال ترامب إنّه "من الصعب أن يصلوا إلى بلدنا. هناك الكثير من الماء بيننا وبينهم". هل كان ترامب هنا يقصد بورتوريكو؟ الجزيرة التابعة لبلاده، التي قال عنها في أيلول/سبتمبر 2017 أنها "جزيرة محاطة بالماء، الكثير من الماء، ماء المحيط"، منتقداً سكانها الذين كانوا برأيه"يريدون أن يفعل الآخرون كل ما يترتب عليهم"، رداً على اتهامه ببطء أعمال الإغاثة الفيدرالية عقب إعصار "ماريا" في ذاك العام.

8-استغلال الفرصة لانتقاد المخابرات الأميركية..

إنّه خطاب لإعلان "النصر" بمقتل الرجل الأوّل المطلوب عالمياً، إذاً لماذا يهاجم ترامب خلاله مخابرات بلاده؟

قال ترامب "عندما نستخدم ذكاءنا بشكل صحيح، ما يمكننا فعله لا يصدق". مديح جيّد إلى حد الآن، لكنه يُكمل: "لكن أن نضيّع وقتنا بالمعلومات التي تؤذي بلدنا، لأن لدينا قيادة ضعيفة في القمة، أمر غير جيّد!".

ربما حاول الرئيس الأميركي من خلال التعليق على المخابرات في لحظة فرح غامرة بالقضاء على رأس داعش، التنديد بمحاولات عزله، وانتقاد رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، آدم شيف، الذي سبق أن طالب بالقبض عليه متهماً إيّاه بالخيانة، لأنّه بحسب ترامب "اختلق كلاماً خطيراً ونسبه لي زوراً في مكالمتي مع الرئيس الأوكراني، وقرأه في الكونغرس على مسامع النواب والشعب الأميركي".

9-أخبار كاذبة في الخطاب؟

زعم ترامب خلال خطابه، أنه كان على علم بالخطر الذي يمثله أسامة بن لادن، حين دعا إلى قتل زعيم القاعدة في كتاب "ناجح جداً"، نشره قبل عام من هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 الإرهابية.

ادعى ترامب أنّه كان يدرك تهديد بن لادن في وقت لم يسمع فيه أحد، لكن الـCNN راجعت كتاب ترامب، وتبيّن لها أنّ ما قاله ليس صادقاً. إذاً هل يقوم الرئيس الذي ينتقد "الأخبار الكاذبة" بشكل دائم، بنشر أخبار كاذبة في أحد أهم خطاباته الموجهة إلى العالم؟.

10-كتبت 12 كتاباً!

لماذا كان على الرئيس الأميركي أن يخبرنا خلال خطابه أنّه كتب 12 كتاباً، وأنّه يكتب واحداً جديداً الآن. هل سيصوّت له الأميركيّون استناداً إلى عدد الكتب التي أصدرها؟، ربما!.

11-شكراً للكلب..

"لقد قمنا بإزالة السريّة عن صورة للكلب الرائع الذي قام بعمل عظيم بالقبض على زعيم داعش، أبو بكر البغدادي وقتله". نشر ترامب هذه التغريدة بعد يوم من مقتل البغدادي، مرفقاً إيّاها بصورة الكلب "البطل"، مشدداً على أن اسمه غير معروف.

بحسب "سي.إن.إن"، يُعتقد أن الكلب مجهول الإسم والسلالة، قد أرسل إلى النفق الذي حوصر فيه البغدادي بعد الخشية من ارتداءه سترة ناسفة.

وقال ترامب إن النفق انهار حين فجر البغدادي نفسه، وأن أكثر من كلب مطاردة كان فيه، لكن مسؤول أميركياً تحدث عن أنّ الكلب "كان جزءاً من القوّة التي نفذت الهجوم على البغدادي، وأصيب بجروح جراء الصعق بالكهرباء وهو يتعافى". هي مهمة أنجزها كلب المطاردة بنجاح، ليصبح هو بطل العملية. 

12-محاولة "إثارة" فاشلة في إعلان ترامب!

قبل ساعات من إعلانه مقتل البغدادي رسمياً، حاول ترامب إثارة العالم بتغريدة له على تويتر، أخبرنا فيها أنّ "حدثاً ضخماً قد وقع". لم تنجح المحاولة، عرف العالم أن البغدادي قد قُتل منذ اللحظة الأولى. شكراً للمصادر "الخاصة" و"الموثوقة" لوسائل الإعلام العالميّة!.

13-ثمانية أعوام بين بن لادن والبغدادي..

قُتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن يوم 2 أيار/مايو 2011 في باكستان، في عملية اقتحام للجيش الأميركي، وقُتل زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي في عملية مماثلة لكن في سوريا بعد 8 أعوام. وجه المقارنة الوحيد المتناسق بين الحدثين، هو أنّ كلاً منهما كان في ظروفه مكسباً انتخابياً بارزاً للرئيسيّن. لكن في حال الغوص في كيفية إعلان الطرفين عن نجاح العملية، يظهر فرق كبير بين إعلان أوباما الرسميّ، المفاجئ، السريع والمقتضب لمقتل بن لادن، الذي لم يستغرق أكثر من 9 دقائق، وبين إعلان ترامب المسبق على "تويتر" والذي عُرف من وسائل الإعلام الأميركية قبل ساعات من الإعلان الرسميّ الذي استغرق 40 دقيقة!.

ليست مهمة سهلة على ترامب أن يقف أمام العالم ويُعلن مقتل الرجل الأخطر في العالم، فالمكسب كبير والفرصة مهمة قبل الانتخابات. ولكن الأصعب بالنسبة للرئيس الأميركي، هو الحفاظ على المصداقية وعدم نشر الأخبار الكاذبة وادعاء انتصارات وهميّة، في عصر أصبح فيه الناس عبر السوشال ميديا، بمثابة مدققي حقائق محترفين.