قراءة في أبعاد قمة ترامب وإردوغان

نظرياً، إذا استمر ترامب في تبني "النموذج الكيسنجري" لتوازن القوى في الشرق الأوسط، ينبغي عليه المحافظة على الانفتاح والتواصل مع إردوغان وآخرين وتسليط الجهود المشتركة لتحقيق التوازن المرجو.

  • قراءة في أبعاد قمة ترامب وإردوغان

في ظل إجماع المؤسسة الأميركية الحاكمة على معاقبة تركيا ومناشدتها الرئيس الأميركي دونالد ترامب التراجع عن دعوته نظيره التركي، زار الرئيس رجب طيب إردوغان البيت الأبيض، في 13 الشهر الجاري، وفي جعبته جملة ملفات ثنائية وإقليمية، من بينها مسألة العقوبات المفروضة عليه بعد غزوه للشمال السوري (9 أكتوبر/تشرين الأول الماضي) ومطاردة وحصار الكرد، وصفقة منظومة الدفاع الجوي الروسية، إس-400 ومجمل العلاقة الودية مع روسيا، وترتيب المسرح بعد مقتل أبو بكر البغدادي.

أغلبية من قيادات الحزبين في الكونغرس أعربت عن معارضتها الصريحة للزيارة وناشدت الرئيس ترامب إلغاءها في مذكرة رسمية، في ما يترجم نظرتها إلى سياسة تركيا الراهنة التي تتراوح وفق منظورها بين كونها "أسوأ صديق أو أفضل عدو لأميركا".

للتوقف عند قرار ترامب معاندته قيادات حزبه بالدرجة الأولى نستطيع إلقاء الضوء على مسألتين مغيبتين عن التداول والمتابعة المطلوبة: دوافع كل من ترامب وإردوغان للقاء في الموعد المحدد سلفاً، والمتغيرات التي أدخلها ترامب على السياسة الخارجية الأميركية لا سيما اقتدائه بإرشادات وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر.

بداية بإمكاننا رصد حيز التشابه بين إصرار قيادات الكونغرس على معارضة تركيا- إردوغان، وهي التي تسترشد عادة وتمتثل لتوجهات اللوبي "الإسرائيلي،" وبين معارضة "إسرائيل" لتركيا نظراً إلى تقويضها استثمار الأولى التاريخي بالقيادات الكردية وتشجيعها على الانفصال، في العراق وسوريا تحديداً.

في البعد الكردي تحديداً، برزت نداءات متعددة داخل الكيان "الإسرائيلي" تنديداً بالغزو التركي للشمال السوري وملاحقة التنظيمات الكردية، مجمعة على مطالبة قياداتها السياسية "بالتصدي لتركيا من أجل حماية حلفائنا الكرد الذين عقدنا معهم تحالفاً استراتيجياً منذ عقد الخمسينيات ودعمناهم عسكرياً وسياسياً،" في إشارة إلى مبدأ "التحالف التاريخي والاستراتيجي مع القوى غير العربية في الشرق الأوسط،" الذي أرساه ديفيد بن غوريون.

وفي مطلع عام 2017، أعلن رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو عن دعم حكومته "إنشاء دولة كردية مستقلة" في الشمال السوري.  

أما قادة الكونغرس، فقد استنهضوا مشروعاً طالما بقي حبيس الأدراج طيلة العقود الماضية وصادقوا على قرار يعترف بالمجزرة الأرمنية على أيدي الإمبراطورية العثمانية، بالأغلبية المطلقة في مجلس النواب، 29 أكتوبر/تشرين الأول، وهي المرة الأولى منذ 35 عاماً الذي يقر فيه الكونغرس مصطلح "الإبادة الجماعية للأرمن،" في أعقاب قرار العقوبات ضد أنقرة، وتوطئة لزيارة إردوغان. 

يشار إلى أن المحاولات المتعددة السابقة لإصدار قرار مشابه في الكونغرس تعثرت جميعها بفضل ضغوط اللوبي "الإسرائيلي." إذ تشير وثيقة رسمية لوزارة الخارجية في تل أبيب لعام 1987 دعمها التام "لتركيا في الضغط على الكونغرس الأميركي لإفشال تصويت على قرار يعلن يوم 24 نيسان/إبريل، من كل عام، يوماً للتضامن مع المذبحة الأرمنية."  

قبل بضعة أيام من بدء لقاء الرئيسين أُفرج عن مضمون مذكرة داخلية في وزارة الخارجية الأميركية تتهم تركيا "بارتكاب جرائم حرب وتطهير عرقي" ضد الكرد في الشمال السوري (صحيفة نيويورك تايمز، 9 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري).

صاغ المذكرة نائب المبعوث الخاص إلى سوريا والسفير الأميركي الأسبق لدى البحرين، ويليام روباك، وقدمها لرئيسه جيمس جيفري، وفيها ينتقد "تراخي" السياسة الأميركية مع تركيا والتي ينبغي أن تتميز بالتشدد الديبلوماسي وإنزال عقوبات قاسية عليها. 

حِرْص الرئيس ترامب على المضي بلقاء نظيره التركي جاء بالتزامن مع تصميم قادة الحزب الديموقراطي في مجلس النواب المضي في إجراءات التحقيق والاستماع لشهادات مسؤولين في الإدارة تمهيداً لمحاكمته وعزله.  

أتى حرصه على خلفية رغبته بصرف الأنظار، ولو قليلاً، عن إجراءات التحقيق الجارية، وهو أمر منطقي.

بيد أن المستشار السابق لشؤون الأمن القومي، جون بولتون، أضاف أبعاداً أخرى لقرار الرئيس ترامب، خلال خطاب له مطلع الشهر الجاري أمام مجموعة (مورغان ستانلي) المصرفية في مدينة ميامي بولاية فلوريدا (شبكة أن بي سي للتلفزة، 12 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري). 

نقلت الشبكة عن بعض الحاضرين مباشرة قولهم إن بولتون "يعتقد بتوفر علاقة شخصية أو حتى عملية تتحكم بموقف ترامب من تركيا، لا سيما وأن لا أحد من مستشاريه (الحاليين) يشاطره الرأي في هذه المسألة."

إمعاناً في توضيح تداخل البعد الشخصي بالعملي بين ترامب وإردوغان، نشرت صحيفة نيويورك تايمز، 12 نوفمبر/تشرين الثاني، تقريراً مطولاً للعلاقة الحميمية بين الرئيسين والتي عهدا بتطبيقها إلى صهريهما، جاريد كوشنر وبيرات البيرق – زوج كريمة إردوغان ووزير ماليته، منوهة إلى المصالح التجارية العائدة لمجموعة ترامب في اسطنبول. البيرق من جانبه، وفق التقرير، أشاد بعلاقته المتينة مع كوشنر لتسهيل كافة القضايا ذات الاهتمام المشترك بين الرئيسين عبر "ديبلوماسية الأبواب الخلفية."  

كما أشار التقرير إلى "تقارب" ترامب مع إردوغان بخلاف توصيات "مستشاريه وقادة الكونغرس عن الحزب الجمهوري،" في مناسبتين: الأولى خلال مكالمتين هاتفيتين، 9 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وإبلاغه بانسحاب القوات الأميركية من الشمال السوري؛ والثانية، 7 أكتوبر/تشرين الأول، مؤيداً قرار تركيا بغزو المنطقة وزعزعة سيطرة الكرد عليها. 

وتحلى الرئيس إردوغان بحماسة مماثلة للقاء ترامب بغية ترميم علاقة بلاده. وكشف السيناتور الجمهوري المقرب من ترامب، ماركو روبيو، عن أجندة من أربعة أركان تشكل هاجساً للرئيس التركي: تخفيف حدة العقوبات المفروضة على بلاده؛ الفوز بتسلم غريمه فتح الله غولن؛ وقف الدوريات العسكرية الأميركية المشتركة مع القوات الكردية في الشمال السوري؛ وإيصال رسالة شديدة الوضوح عن عزم تركيا التخلص من القائد العسكري لقوات قسد، مظلوم عابدي. 

الأجهزة الأمنية الأميركية أعربت للرئيس ترامب عن عدم رضاها لمساعي تركيا السيطرة على أبو بكر البغدادي، قبل تنفيذ القرار الأميركي باغتياله قصفاً. وأشارت لمقربيها في بعض وسائل الإعلام إلى أن البغدادي قصد الأراضي التركية قبل بضعة أيام من الغارة الأميركية لبحث ما تردد أنه يسعى لترتيب إقامته وعائلته هناك، مشددة على "تساهل واسترخاء" جهاز الاستخبارات التركي أمام البغدادي وعناصر داعش.

المتغيرات السياسية عند ترامب

أثنى الرئيس ترامب، خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع إردوغان، على تركيا "كحليف رائع داخل الناتو وشريك استراتيجي للولايات المتحدة حول العالم."

للوهلة الأولى لا يبدو ما يدعو للقلق أو الذهول من تصريح ترامب مصطحباً معه بعض قادة الكونغرس من الحزب الجمهوري للقاء إردوغان على انفراد، في خطوة غير مسبوقة مع رئيس دولة أجنبية زائر.

عند التمحيص في ما هو أبعد من ثمة إشارة عابرة لحليف تاريخي للمخططات الأميركية في المنطقة، نستحضر شبح وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر دائم الزيارة المنفردة للبيت الأبيض في بلورة توجهات ترامب، التي يكتنفها الغموض والتقلب في معظم الأحيان؛ بل هي رسائل قوية لأركان المؤسسة الحاكمة بأن السياسة "الحكيمة" تقتضي تفادي نزعة إشعال الحروب لزعزعة استقرار الأقاليم، وأن المطلوب إنجازه هو "توازن القوى."

كيسنجر يشدد على تفوق الولايات المتحدة على الصين الصاعدة بقوة على المسرح الدولي، وروسيا التي يعتبرها ضعيفة، ويدعو إلى ضرورة التعايش معهما على قاعدة بينة من توازن القوى.

في النموذج "الكيسنجري" لا ضير من علاقة تقارب بين تركيا وبين كل من روسيا وإيران في الوقت الراهن، في الإقليم، ويتعين على الولايات المتحدة استغلال ذلك لمنع أي منهما من ترسيخ قدميها كقوى كبرى في الشرق الأوسط.

ويضيف النموذج عينه أن العنصر الأهم في سياسات الدول القوية هو توفر قيادة مركزية لديها قدرة على ممارسة المرونة في المواقف وعقد تحالفات بغية تصويب بوصلتها طمعاً في تحقيق توازن القوى، الذي سيبنى عليه سلام مقبول في المنطقة.

نظرياً، إن استمر الرئيس ترامب في تبني "النموذج الكيسنجري" لتوازن القوى في الشرق الأوسط، ينبغي عليه المحافظة على الانفتاح والتواصل مع إردوغان وآخرين وتسليط الجهود المشتركة لتحقيق التوازن المرجو.

الأمر الذي يؤشر بقوة إلى توجه الرئيس ترامب بعد انفضاض لقائه بالرئيس التركي، من خلال سرديته وتأييده للقضايا المشتركة، وإحالة أو ترحيل القضايا الخلافية لفرق متخصصة دون إسنادها ببرنامج زمني ناظم.