عن غزة المحاصرة قبل كورونا بـ14 عاماً!

اليوم العالم أجمع فُرض عليه الحصار مثلما فرض على القطاع منذ ١٤ عاماً!

  • ممرضة فلسطينية تتحقق من درجة حرارة طفل في مدرسة تابعة للأونروا في غزة يوم 18 مارس الجاري (أ.ف.ب)

حصار بريّ وبحريّ وجويّ لأكثر من 13 سنة، مليونيّ إنسان يعيشون في أحد أضيق وأكثر المناطق اكتظاظاً في العالم، قطاع صحيّ مهترىء دمره الاحتلال، واليوم حوالي 1.9 مليون فلسطيني معرضون فيه لخطر تفشي فيروس كورونا (كوفيد 19). إنّه قطاع غزة المحاصر، الذي لم ينتظر كما العالم العام 2020 ليعلن حالة طوارىء إنسانيّة بسبب فيروس كورونا، بل أُعلن بسبب الاحتلال والحصار منذ العام 2014، ليدخل كوفيد 19 إليه اليوم، ويصعب الوضع الإنسانيّ أكثر فأكثر.

أعلنت غزة يوم 21 آذار/مارس إصابة مواطنين عائدين من باكستان بفيروس كورونا، ليتمّ سريعاً إغلاق المطاعم والمقاهي وتعطيل صلوات الجمعة حتى إشعار آخر، تجنباً لتفشي الفيروس وفي محاولة لمنع وقوع كارثة إنسانيّة أشد ممّا تعاني منه غزة وأهلها نتيجة سنوات من الحصار والعدوان الإسرائيلي. 

بينما من أهم شروط الوقاية من كوفيد 19 هي غسل اليدين بالماء والصابون جيداً، تعتبر 97% من المياه في قطاع غزة غير صالحة للاستخدام بحسب وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا). لا يزال الوصول إلى المياه النظيفة والكهرباء أمر شبه مستحيل في القرن الـ21 في القطاع، ما يؤثر بشدّة على توفر الخدمات الأساسية، لا سيما خدمات القطاع الصحي والمياه والصرف الصحي.

وفقاً لتقرير منظمة "هيومن رايتس ووتش" لعام 2019، أدى الإمداد المحدود للكهرباء في غزة إلى "الإضرار بإمدادات المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي وعمل المستشفيات". بالإضافة إلى نفاذ 44% من الأدوية الأساسيّة، تسبب نقص الوقود اللازم لتشغيل المولدات الكهربائية خلال انقطاع التيار الكهربائي إلى "إغلاق جزئي لعدة مستشفيات، وذلك بسبب حظر إسرائيل دخول الوقود".

بحسب مدير عمليات الأونروا في غزة ماتياس شمالي، شهد القطاع خلال مسيرات العودة "انهياراً في القطاع الصحي خاصةً على صعيد الإستشفاء، حيث لم يكن هناك إمكانيات كافية ولا مخزون كاف من المستلزمات الطبيّة". وتأمل المنظمة بأن لا يتفشى وباء كورونا في القطاع لأنّ المستشفيات غير جاهزة لذلك. 

في سياق متصل، أكد الناطق باسم وزارة الصحة أشرف القدرة للميادين، وجود "شح كبير في عينات الفحص لمرض كورونا"، كما دعا وكيل وزارة الصحة في القطاع يوسف أبو الريش، العالم أجمع إلى التحرك لـ"ضرورة رفع الحصار عن القطاع لتمكينه من مواجهة كورونا". 

بحسب "اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب"، من واجب سلطة الاحتلال أن "تعمل على صيانة المنشآت والخدمات الطبيّة والمستشفيات وكذلك الصحة العامة والشروط الصحية في الأراضي المحتلة"، والأهم أن "تضمن استخدام جميع الوسائل الوقائية اللازمة لمكافحة انتشار الأمراض المعدية والأوبئة". لكن "إسرائيل" المحتلة والتي لطالما نكثت الاتفاقيات والمعاهدات الدوليّة، تحاصر أرضاَ يعجز قطاعها الصحيّ عن انقاذ أبناءه، لن تأبه لتفشي أيّ وباء فيه.

وبدأت شوارع غزة تشهد انخفاضاً في الحركة اليوم الأحد، التزاماً من قبل المواطنين بالحجر الصحي المنزلي تفادياً لازدياد اعداد المصابين بالفيروس، وكإجراء وقائيّ ضروريّ. 

  • مشاهد من بعض الشوارع شبه فارغة في قطاع غزة اليوم (الميادين نت)
    مشاهد من بعض الشوارع شبه فارغة في قطاع غزة اليوم (الميادين نت)

استعداداً لما هو أسوأ، وأملاً بما هو أفضل، أكدت "الأونروا" أنها ستطلب الكثير من المساعدات لإسناد القطاع الصحي في غزة، أبرزها "المعقمات، معدات الحماية للعاملين في الحقل الصحي، والأدوية الخاصة لعلاج المرضى في حال تفشي كوفيد19". ولكن كيف سيستطيع قطاع محاصر من كل الجهات حماية نفسه من فيروس لم تستطع بعض الدول التي تمتلك من أفضل الأنظمة الصحيّة في العالم كإيطاليا مواجهته؟. 

سناء كمال من قطاع غزة، اعتبرت في فيديو أرسلته إلى الميادين نت، أنّ تفشي فيروس كورونا في القطاع قد يؤدي إلى كارثة إنسانية "قد تضاهي الكوارث التي خلفتها الحروب الإسرائيليّة". 

  • سناء كمال من قطاع غزة المحاصر
    سناء كمال من قطاع غزة المحاصر

بمجرد إعلان اكتشاف أول حالتي كورونا في القطاع، سارع سكانه إلى تحميل الاحتلال مسؤولية أي أزمة صحيّة جديدة، والمطالبة عبر مواقع التواصل الاجتماعي الغزيين بالتزام المنازل، تحمّل المسؤوليّة، جمع التبرعات والمساعدات، والأهم رفع الحصار الإسرائيلي الجائر عنهم ليتمكنوا من مواجهة الفيروس. 

أحد مواطني القطاع عمر بلاوي أكد للميادين نت، وجود "حالة من الترقب الحذر"ـ واصفاً إيّاه بـ"الهدوء ما قبل العاصفة، خاصةً بسبب المخاوف من ضعف الامكانيات الطبية والتموينية والكثافة السكانية الهائلة". 

"لم نكن ندري أنّنا نخدم دولتنا بالتزامنا ببيوتنا"، هي الرسالة التي بحسب بلاوي، "لا بد أن تُنشر وتُطبق في القطاع لتنتهي هذه الأزمة على خير دون أي معانة أو خسائر وخصوصاً بالأرواح". 

يقول بلاوي للميادين نت: "اليوم العالم أجمع فُرض عليه الحصار مثلما فرض على القطاع منذ ١٤ عاماً"، متساءلاً "هل تكفي تلك التجربة العالم من أجل العمل جدياً على رفع الحصار عنّا؟". 

مليار إنسان حول العالم يجربون منذ أقل من شهر الحصار داخل منازلهم خوفاً من إصابتهم بفيروس كورونا المستجد، لكن قطاع غزة الذي يعيش حصاراً منذ سنوات طويلة، أفقد سكانه أقل حقوقهم المعيشية الطبيعية، وهم يواجهون اليوم حصاراً من نوع آخر، يحتاج تضامناً عالمياً لحمايتهم من وباء لم يرحم أحداً، فكيف يرحم الضعفاء والمحرومين؟.