من ذاكرة عماد مغنية..

لأم عماد مغنية الفضل الكبير في صناعة البيت المقاوم. من يستمع لأم الشهداء الثلاثة، جهاد وفؤاد وعماد، وهي تروي سير أولادها الثلاثة، يلحظ أنها تغطي مسيرة المقاومة منذ إنطلاقتها، بل ما قبل تبلور قرار قيام حزب الله. وسرعان ما يخلص الباحث في حياة الحاج رضوان تحديداً إلى أن حزب الله (كتنظيم) كان محطة في حياته لا العكس!.

قالت أم عماد لابنها: "صارو2".. أجابها الحاج عماد "شو رح تعملي لما يصيرو3"

وللمفارقة أن المقاومة التي تفخر اليوم برؤية وبصيرة قائدها الجهادي الأول لم تستطع حتى الأن أن تفيه حقه، لأن جمع ذاكرة الحاج عماد وتقديمه إعلاميًا لم يزل رهن محاولات لم ترق إلى مستوى الشخصية.

هذه شذرات سريعة من ذاكرة "الحاج رضوان".

على الرغم من إنشغالاته الكثيرة، لم يكن عماد مغنية لينسى المشاركة في المناسبات العائلية الخاصة ولو متأخرًا، ومنها عيد الأم.

عندما تبوأ منصبه الأعلى في المقاومة، قررت أم عماد أن تهدي ولدها هدية رمزية تتضمن رسالة معنوية، فأرسلت إليه بمنحوتة خشبية محفور عليها حديث للإمام علي يقول فيه "إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك".

لم يحد الحاج عن التسامح في مسيرته، ومع ذلك كانت أم عماد تلعب دومًا دور المربيّة الحاضرة في كل الاستحقاقات. ومن كان على تماس مع قائد المقاومة يدرك تمامًا أن الرجل القاسي مع أعدائه كان شدةّ في اللين مع المجاهدين في الآن نفسه.

يروي أحد المقاومين ممن كانوا يرافقونه أن ثلّة من كوادر المقاومة كانوا في رحلة ترفيهية عند نهر في الجنوب ذات مرة.

قرر المقاوم أن يمزح مع قائد المقاومة، فأتاه من الخلف أثناء جلوسه وسكب على رأسه دلوًا من الماء! نظر جميع الموجودين إلى الحاج مذهولين ودوى صمت ثقيل للحظات، قبل أن يقف الحاج ويبادل المقاوم المزاح. لم يكن للغرور سبيل إلى عقل هذا الرجل، حتى في ذروة تحليله لنقاط ضعف إسرائيل. بل إنّ إحدى الأمور التي كانت تغضبه هي عند سماعه رأيًا مستخفًا بإسرائيل. إشترك معه مصطفى بدر الدين في الصفة نفسها حيال "إحترام" العدو.

وفي خضم العمل المقاوم، كان يحافظ على الروح المرحة إلى حدّ السحر. فوجئت يومًا أم عماد بإبنها البكر يزورها من غير إخبار مسبق، برفقة السيد عباس الموسوي. كان الرجلين جائعين، ولم تكن أم عماد تتوقع زيارة الضيفين، فاحتارت في أمر تحضير الطعام. سألها السيد عباس عما يتواجد من أغراض في المنزل، فأجابته "برغل وبندورة". جلس السيد والحاج أمام باب المنزل في الجنوب يتناولان الطعام ويضحكان. لتكتشف لاحقًا أم عماد أنها كانا يقودان عملية عسكرية على أحد مواقع الإحتلال الإسرائيلي إنطلاقاً من مائدتها البسيطة!.

وعلى الرغم من كثرة الملفات التي كان يتابعها، فقد كان يجد الحاج عماد دومًا الوقت للجلوس مع شاب في مقتبل العمر ليسديه النصائح حول أهمية التحصيل الجامعي والطموح وصناعة الرجال.

و اللافت أن كل خطوة كانت تتحول إلى مشروع مهما تماهت أو تباينت مع عمله المقاوم. من أفكار لكفاية المقاومين معيشيًا وتوفير مستلزماتهم المنزلية إلى صناعة السلاح في إيران!.

وبالمناسبة فإن نشاط الحاج عماد وإسهاماته في الجمهورية الإسلامية هي إحدى الملفات التي لم يقاربها الإعلام بعد مع أنها تشكلّ مادة دسمة.

ويساعده على غزارة الأفكار عقل متفرد وصفه السيد نصر الله يومًا بالـ"ألمعي". وهو وصف دقيق للغاية، فقد كان بمقدوره تعلم أيّ مهارة وخوض مجال النقاش في أي مجال بسرعة قياسية بعد إجرائه الاستشارات والأبحاث اللازمة: من كتابة سيناريو الأفلام الدرامية إلى تأليف المقطوعات الموسيقية! ومن إتقان برامج التصميم الغرافيكي إلى مواكبة التجارب العسكرية الرائدة عالميًا! مروحة واسعة من الإهتمامات كان يجيّرها لخدمة أهداف المقاومة.

ووسط عالم الكثرة، كان يخصص وقتًا للروح. الروح التي كان يحاضر في قدرتها.

في  إحدى ليالي حرب تموز، أمضى عماد مغنية ليلته في مكان لا يخطر على بال أحد. في إحدى مقابر بيروت. كان يكفيه أن يحمل حقيبته وبداخلها "عدة الشغل".

و في أخر شهر رمضان قبل أشهر من استشهاده، وأثناء إحياء ليلة القدر، أسرّ عماد مغنية لزوجته بأنه يشعر بأن أوان الرحيل قد حان، وبأن هذا اخر شهر صيام يحياه. كان يولي الأمور المعنوية حيّزًا خاصًا في حياته.

لقد كان ينتظر الشهادة منذ أن سلك طريقة المقاومة. في العام 94، حيت اغتالت اسرائيل أخاه فؤاد في تفجير عبوة ناسفة في منطقة الصفير بضاحية بيروت الجنوبية، زار والدته تلك الليلة طالبًا إليها أن تكفّ عن البكاء.

قالت أم عماد: "صارو 2". في إشارة إلى استشهاد اثنين من أبنائها جهاد وفؤاد.

أجابها الحاج عماد: "شو رح تعملي لما يصيرو 3؟".