في كواليس قرار تزويد سوريا بأنظمة "أس-300": سلامة جنودنا أهم من علاقتنا (بإسرائيل)

كان أمام الإسرائيليين 6 أيام للاعتراف بالخطأ وتقديم الاعتذار، لكنهم أبوا واستكبروا. استمرار تل أبيب في إنكار مسؤوليتها عن افتعال ظروف أطاحت بطائرة الاستطلاع الروسية "أيل 20" ومصرع طاقمها فهم في موسكو بمثابة عدم حرص من القيادة الإسرائيلية ليس فقط على أرواح العسكريين الروس وإنما على العلاقات بين البلدين أساساً.

قاعدة حميميم كانت تنتظر بالتزامن مع العدوان الإسرائيلي طائرة نقل عسكرية وعلى متنها نحو 150 عسكرياً وخبيراً ومسؤولا
قاعدة حميميم كانت تنتظر بالتزامن مع العدوان الإسرائيلي طائرة نقل عسكرية وعلى متنها نحو 150 عسكرياً وخبيراً ومسؤولا

روسيا التي اعترفت بحجم ما قدمته من تنازلات وتسهيلات وخدمات (لإسرائيل) سواء في سوريا أم في غير سوريا عوملت بإجحاف في المقابل.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي كان يعتقد أن تقديم امتيازات لليهود في روسيا، وإقامة علاقات متينة مع (إسرائيل) سيساعدان في تطبيع العلاقات مع واشنطن بمساعدة اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، اكتشف أن "صديقه" بنيامين نتنياهو يمكن أن يطعنه في الظهر كما فعل "يهوذا مع المسيح".

العسكر هم من ساعدوا بوتين على أن يستيقظ من "حلم" الصداقة النافعة مع (إسرائيل). ليس سراً أن كبار جنرالات الجيش الروسي الذين نشأوا في المؤسسة العسكرية السوفييتية غرست في عقولهم عقيدة أن (إسرائيل) دولة معتدية وأداة من أدوات الإمبريالية الأميركية.

ومع سقوط الاتحاد السوفييتي واستئناف العلاقات بين موسكو وتل أبيب غدت تلك العقيدة من إرث الماضي، إلا أن عودة مناخ الحرب الباردة إلى العلاقات بين روسيا والغرب في السنوات الأخيرة نفخ روحاً جديدة في عقيدة الماضي. الرئيس بوتين فهم حالة التذمر في صفوف الجنرالات الروس، وخاصة أولئك الذين يقاتلون في سوريا، من استمرار صمت الكرملين على العدوان الإسرائيلي والأميركي المتكرر على سوريا.

الرئيس الروسي الذي أظهر حزماً في مواقف عديدة، ومنها حادثة إسقاط "السوخوي" على أيدي الأتراك، لم يكن بوسعه أن يغضّ الطرف عن الجرم الذي ارتكبه "صديق غير وفِي"، ولا سيما أن حجم الكارثة كان يمكن أن يكون أكبر من طائرة الاستطلاع.

قاعدة حميميم كانت تنتظر بالتزامن مع العدوان الإسرائيلي طائرة نقل عسكرية "إيل 76" وعلى متنها حوالي 150 عسكرياً وخبيراً ومسؤولاًَ.

طائرة "إيل 20" نفسها كانت تنفذ مهمة حساسة جداً، تكمن في جمع معلومات ميدانية، وإجراء مسح طوبوغرافي لخريطة المنطقة منزوعة السلاح، والتنصت على اتصالات بين قادة الميدان في إدلب.

إسقاط هذه الطائرة خسارة فادحة للجيش الروسي وفق كل المعايير: طاقم الطائرة كان من خيرة ضباط الاستطلاع والاستخبار العسكري. روسيا لم تفقد منذ أيّام الحرب الشيشانية مثل هذا العدد من العسكريين مرة واحدة. زِد على ذلك تمّ فقدان معلومات حساسة ومهمة عن مخططات الإرهابيين في إدلب. وعلى ما يبدو فإن العسكريين الروس مقتنعون بأن الإسرائيليين تعمدوا في افتعال الحادثة.
سقف المطالب الروسية لإسرائيل تحدد في اجتماع مجلس الأمن القومي برئاسة فلاديمير بوتين يوم الخميس20 أيلول/ أيلول/ سبتمبر الجاري عندما اكتشف الجنرالات الروس أثناء اجتماعتهم بالقادة العسكريين الإسرائيليين في موسكو أن تل أبيب مصرة على الكذب والخداع والتملص من المسؤولية.

الاجتماعات كانت مضنية، تخللتها ملاسنات بين المجتمعين، واستمرت ساعات طويلة ولم تنته إلا عند فجر اليوم التالي. الصورة باتت واضحة للجانب الروسي.

وزارة الدفاع الروسية وجهت إنذارها قبل الأخير للإسرائيليين، ولكن هذه المرة أيضاً دون جدوى. وفِي يوم الأحد 23 أيلول/ سبتمبر الجاري أصدرت وزارة الدفاع حكمها النهائي بأن (إسرائيل) تتحمل كامل المسؤولية عن حادثة إسقاط الطائرة، ودعمت ذلك بالبيانات والمعطيات والأدلة اللازمة.

عملياً موسكو أمهلت تل أبيب 24 ساعة للاعتراف بالذنب وتقديم الاعتذار. ووفق بعض المعطيات فإن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو سجل شريط الفيديو الذي أعلن فيه عن تزويد سوريا بأنظمة "اس 300" قبل البث بيوم. وبالفعل، "الصلف الإسرائيلي" استمر، والتصريح الأرعن الذي أدلى به وزير الأمن والدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان أقنع الروس نهائياً بلا جدوى محاولات تأنيب ضمير من لا يتعامل بضمير.

الإسرائيليون قالوا للروس عملياً إن "لا أصدقاء لهم وأنهم يتعاملون مع الآخرين فقط لتحقيق مصالحهم". فردّت عليهم موسكو "سلامة جنودنا أولوية أهم من علاقتنا بكم".