استراتيجية ترامب حول حروب السايبر..ما لها وما عليها!

أشار العديد من الخبراء في مجال أمن السايبر إلى أن ترامب "يلعب بالنار" من خلال إطلاق يد الوكالات الأمنية أو الجيش في تقدير ضرورة الردّ على أي نشاط "إجرامي" بحسب المعايير الأميركية، عِلماَ أن "توحيد معايير تصنيف النشاط الإجرامي في عالم السايبر" هو أحد أهداف الاستراتيجية، من دون تحديد شروط هذا التصنيف !

  • من النقاط البارزة في الاستراتيجية إشارتها إلى رغبة ترامب بإنشاء تحالف دولي موحّد المعايير والموارد لمكافحة هجمات السايبر

لا يخرج القارئ للاستراتيجية الجديدة للبيت الأبيض حول أمن السايبر بخلاصةٍ واضحةٍ حول حدود وطبيعة القوّة التي ستستخدمها إدارة ترامب في حال استنتجت أن دولة ما أو جماعة ما شنّت هجمة إلكترونية ضدّ مصالحها في الفضاء الإلكتروني.

الاستراتيجية "الجديدة" مؤلّفة من أربعين صفحة، من بينها عشر صفحات فارغة وعشر صفحات لم تُنشَر بداعي تصنيفها سرّية، وعشرون صفحة تركّز على السبب الذي من أجله تم وضع الاستراتيجية!

وقبل مقارنة استراتيجية ترامب مع استراتيجية سلفه، لا بدّ من الإشارة إلى أن محتواها يعكس بالكامل الأسلوب الدعائي الذي عهدناه من الرئيس الأميركي عبر الإيحاء بحجم الإنجاز "غير الواضح."

إذ أن الاستراتيجية تعدّد الأسباب التي أدَّت إلى إصدارها باستخدام لغة إنشائية، لا معطيات أو أرقام كما تجري العادة في تقارير الكونغرس على سبيل المثال. ويمكن استخلاص الدوافع التي أدت إلى صدور هذه الاستراتيجية في هذا التوقيت من خلال مضمونها أولًا والأحداث المرتبطة بالداخل الأميركي:

 -من الواضح أن الانتخابات النصفية فعلت فعلها لناحية التسريع بإصدار الاستراتيجية في ظلّ القلق المُتنامي من قيام روسيا باستغلال الاستحقاق للتأثير على الرأي العام الأميركي من خلال حملات إعلامية في فضاء السايبر.

-  لا يمكن إغفال التحقيق الذي يقوده المُحقّق الفدرالي مولر حول تورّط روسيا في دعم وصول ترامب إلى الرئاسة عن الاستراتيجية الحالية التي مهّد لها أعضاء الإدارة عبر الحديث المتواصل عن الإجراءات اللازمة لردع موسكو وبكين، بالرغم من عدم تناسب حجم التهديدات المزعومة مع ما قد تؤدّي إليه الاستراتيجية المفتوحة الاحتمالات كما سنرى في سياق هذا المقال.

- بذل مستشار الأمن القومي جون بولتون جهداً ملحوظاً للتأكيد على أن الاستراتيجية الجديدة مختلفة عن استراتيجية أوباما. لكن التدقيق في هذه المزاعم يقف عند حقيقة أن بولتون قام بعزل منسّق شؤون حرب السايبر في البيت الأبيض فور تعيينه، وقام بضمّ هذا الملف إلى صلاحياته، قبل أن يُصدر الاستراتيجية التي لا تختلف عن سابقتها ، سوى ببند وحيد يتعلّق بإفساح المجال أمام الوكالات التابعة للمجمّع الإستخباري بالتصرّف من دون القلق بشأن تقييمات الوكالات الأخرى التي كانت تمتلك حق "الفيتو" في الاستراتيجية القديمة. بكلمات أخرى، إن استراتيجية ترامب تفوّض الوكالات الأميركية اتّخاذ إجراءات تنفيذية بحق أية جهة أو جماعة أو دولة تستنتج الولايات المتحدة أنها شنّت هجوماً الكترونياً على مصالحها من دون تقييم الوضع مع بقية الوكالات، وهذا دونه مخاطر كبيرة كما سيثبت لاحقاً.

وبالمقارنة مع استراتيجية أوباما، لا بدّ من الإشارة إلى أن الرئيس السابق كان أول مَن فوضّ المؤسّسة العسكرية والأمنية استخدام القوّة في معاقبة مَن يثبت تورّطه في شنّ هجمات الكترونية على المصالح الأميركية، إلا أن آليات تنفيذ تلك الاستراتيجية ظلّت تحت سقف المنهج المُتّبع في دولة كبرى تتقاطع فيها عدّة تقييمات ومصالح قبل صدور القرار، فضلاً عن أن تحديد المسؤولية في هجمات السايبر أمر إشكالي ، إذ أنّ بمقدور أية جهة أو دولة تنفيذ هجمات والإيحاء بأنها صادرة عن طرف ثالث، وبالتالي لا يمكن إخضاع هذه المسألة لقرارات متسرّعة أو فيها اجتهاد كما فعل ترامب حاليا.

وبالفعل، فقد أشار العديد من الخبراء في مجال أمن السايبر إلى أن ترامب "يلعب بالنار" من خلال إطلاق يد الوكالات الأمنية أو الجيش في تقدير ضرورة الردّ على أي نشاط "إجرامي" بحسب المعايير الأميركية، عِلماَ أن "توحيد معايير تصنيف النشاط الإجرامي في عالم السايبر" هو أحد أهداف الاستراتيجية، من دون تحديد شروط هذا التصنيف !

ومن النقاط البارزة في الاستراتيجية إشارتها إلى رغبة ترامب بإنشاء تحالف دولي موحّد المعايير والموارد لمكافحة هجمات السايبر. وكان لافتاً على سبيل المثال احتفاء تايوان بصدور الاستراتيجية الجديدة باعتبار أنها موجّهة ضد جارتها العملاقة الصين، وسط حال الحرب الالكترونية القائمة بين البلدين.

بولتون الذي رفض الإجابة عن الخطوات التنفيذية التي يمكن للمؤسّسة العسكرية أو الأمنية الأميركية اتخاذها بحسب الاستراتيجية الجديدة، كان واضحاً في المقابل في التلويح بأن واشنطن لن تتوانى عن إظهار قوّتها في هذه الحرب من خلال فرض ردع يخضع له الأعداء.

خطوة أخرى من خطوات ترامب "الدعائية" إذا، لكن المشكلة الحقيقية هذه المرة أن الرئيس الأميركي يرفع القيود التنظيمية عن مسألة قد تؤدّي إلى مواجهات خطيرة، ذلك أن أمن السايبر يشمل في العادة ثلاثة عناوين رئيسة:

- الجرائم الإلكترونية على أنواعها، من سرقة أو تزوير حسابات أو مواقع أو بيانات ومحاولة اختراقها أو الإستيلاء عليها.

- سرقة الأسرار والبيانات من القطاعات الحيوية كالصناعة والتجارة والمصارف والقطاعات العسكرية أو الأمنية التي تمتلك وجوداً معيناً في الفضاء الإلكتروني.

-  استهداف النُظم التي تتحكّم بالبنية التحتية للدولة كنظام الصرف الصحي أو نظام الريّ أو نظام إشارات السير أو نظام توزيع الكهرباء أو حتى منظومات ترتبط بالأسلحة النووية ضمن نطاق ضيّق، وهذه جميعها تُعرَف باسم منظومات "سكادا"  SCADA والإستيلاء عليها أو اختراقها يسمح بالتحكّم فيها والتسبّب بأضرار جسيمة.

هذه المُعطيات جميعها وحساسية الملف دفعت بمستشارين عسكريين وأمنيين أميركيين إلى التحذير من أن استراتيجية ترامب تفتح المجال واسعاً أمام التفسيرات الخاطئة وإلى ارتكاب أخطاء غير متوقّعة، فهل تظلّ الاستراتيجية الجديدة ورقة "دعائية" في أدراج البيت الأبيض أم أن الضغط الذي بات يشعر به ترامب، جرّاء التحقيق حول التدخّل الروسي المزعوم في انتخابه نتيجة حملات إعلامية في الفضاء الإلكتروني، يدفعه نحو قرارت غير محسوبة؟