هل نجحت الدول صاحبة حق الفيتو في تحقيق السِلم والأمن الدوليين؟

فالدول دائمة العضوية في مجلس الأمن في العام 1945 كانت: الولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا، وفرنسا، والاتحاد السوفياتي والصين الوطنية، وفي العام 1971 حلّت الصين الشعبية مكان الصين الوطنية، وفي العام 1992 ورثت روسيا مقعد الاتحاد السوفياتي بعد انهيار المنظومة الاشتراكية.

معظم مواقف واشنطن المعارضة لقرارات مجلس الأمن كانت ولا تزال من أجل منع حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني
معظم مواقف واشنطن المعارضة لقرارات مجلس الأمن كانت ولا تزال من أجل منع حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني

يهدف منح حق النقض (الفيتو) للدول دائِمة العضوية في مجلس الأمن إلى ضرورة الحفاظ على السِلم والأمن الدوليين، ولكن دعوات عدّة ظهرت خلال السنوات الفائتة من أجل منح ذلك الحق لدولٍ أخرى بعد المُتغيّرات التي عصفت بالعالم منذ عقود.

تعرَّف العالم إلى مفهوم حق النقض أو الفيتو بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وتأسيس هيئة الأمم المتحدة عام 1945، وقد منح لخمس دول فقط من أعضاء مجلس الأمن الدولي الذين بلغ عددهم خمسة عشر عضواً (كان عدد الدول الأعضاء في المجلس عند تأسيس هيئة الأمم المتحدة 11 دولة).

فالدول دائمة العضوية في مجلس الأمن في العام 1945 كانت: الولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا، وفرنسا، والاتحاد السوفياتي والصين الوطنية، وفي العام 1971 حلّت الصين الشعبية مكان الصين الوطنية، وفي العام 1992 ورثت روسيا مقعد الاتحاد السوفياتي بعد انهيار المنظومة الاشتراكية. أما الدول غير دائمة العضوية فارتفع عددها من 6 إلى 10، وهي الدول المُختارة من أعضاء هيئة الأمم المتحدة، وتنتخبهم الجمعية العامة للأمم المتحدة كل عامين، ويتناوب الأعضاء الـ 15 شهرياً على رئاسة مجلس الأمن تبعاً للترتيب الأبجدي. وتمارس الدول الخمس دائمة العضوية فقط حق الفيتو على الرغم من عدم وروده في ميثاق الأمم المتحدة، إذ يكفي اعتراض أي من هذه الدول في مجلس الأمن ليُرفَض القرار ولا يُمرَّر نهائياً، حتى وإن كان مقبولاً للدول الأربعة عشر الأخرى. أما لتبنّي قرار في مجلس الأمن فيجب أن يؤيّده ما لا يقلّ عن 9 أعضاء بشرط عدم استخدام الفيتو من أية دولة من تلك دائِمة العضوية.

هذا الفيتو قد يؤدّي أحياناً إلى تعطيل أيّ حل لأية مشكلة سياسية أو أمنية للدول الأخرى وخصوصاً للدول الصغرى أو الضعيفة، إذا كان لا يتّفق مع مصالح هذه الدولة الكبرى أو تلك، الأمر الذي يجعل لهذه الدول بشكلٍ أو بآخر السيطرة على كلّ قضايا العالم المعروضة على مجلس الأمن، ويجعل الحلول المطروحة النابِعة من الجدَل الدائِر بين دول المجلس، جهداً ضائعاً لا طائل منه، ويحوّل الدول الأخرى غير دائمة العضوية، إلى مُجرّد شهود في التعامُل مع قضايا العالم.

فلسفة حق الفيتو

تعود فلسفة منح حق النقض الفيتو بحسب أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية الدكتور حسن جوني إلى "أن كل المنظّمات الدولية تأخذ بعين الاعتبار ميزان القوّة من جهة، والاختصاص من جهٍةٍ ثانية وبالتالي تمنح بعض الدول أكثر من صوتٍ واحد، ومثال ذلك في منظّمات الملاحة الجوية والبحرية ومنظمة العمل الدولية. والسبب يعود إلى أن هناك دولاً على سبيل المثال تمتلك أسطولاً بحرياً أو جوياً كبيراً ولا يمكن مقارنتها بتلك التي لا تمتلك أسطولاً بحرياً، وبمعنى أوضح لا يمكن مقارنة الأسطول البحري لبريطانيا بأسطول الباراغوي التي ليس لديها منفذ بحري، هذا عدا عن أنه لا يمكن إعطاء دولة صغرى نفس الحقوق في التصويت في منظمة العمل الدولية، وبالتالي لا يمكن مقارنة عدد العمال في البرازيل، على سبيل المثال، بعدد العمال في لبنان".

ويُضيف جوني للميادين نت إن "التمييز بين الدول موجود في أوروبا وداخل الاتحاد الأوروبي، فألمانيا لديها حُكماً نواب أكثر من اللوكسمبورغ تبعاً لعدد السكان في الدولتين. والمبدأ العام من وراء ذلك يكمن في أنه لا يجوز أن تتحكّم دول صغرى بمصير قرارات دولية أسوة بالدول الكبرى".

أما بما يخصّ مجلس الأمن الدولي فيوضح جوني إنه "كان العالم في العام 1945 خارجاً من حربين عالميتين، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية جاء تأسيس هيئة الأمم المتحدة باتفاقٍ بين الدول المُنتصرة في الحرب، وهي قوى عُظمى تستطيع منع الحرب ، وكذلك حفظ السلم والأمن الدوليين وهذا كان أساسياً لمنحها بما عُرِف لاحقاً بحق الفيتو".

ويُشير جوني إلى أن المبدأ كان موافقة الدول الخمس وليس منح حق الفيتو أو حق النقض.

حق النقض: تفسير لمحكمة العدل الدولية

لا يلحظ ميثاق الأمم المتحدة عبارة حق النقض وإنما جاءت تلك العبارة من خلال تفسير أعطته محكمة العدل الدولية ، عِلماً أن الهدف منه هو الحفاظ على السلم والأمن الدوليين ، وكذلك ردع العدوان لتجنيب البشرية تداعيات أية حرب عالمية جديدة.

السبب الرئيس لمنح تلك الدول حق النقض وفق تفسير محكمة العدل الدولية، كما يؤكّد جوني، كان للحفاظ على السِلم العالمي من خلال دول كبرى تمتلك السلاح النووي، عدا عن أنه لا يمكن لدول صغرى أن تقود بذلك الدور، عِلماً أن الميثاق نصّ على إجماع تلك الدول.

إلى ذلك كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة في مرحلتها الأولى تضمّ 51 دولة ومعظمها يدور في الفلك الأميركي والغربي، لذلك لجأ الاتحاد السوفياتي للاستعمال الكثيف لحق النقض لمواجهة خصومه وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية التي كانت ترفض منح الشعوب حق تقرير المصير. وتدلّ الإحصاءات بين العامين 1946 و1955 أن الاتحاد السوفياتي استخدم حق الفيتو 75 مرة فيما لم تستخدمه إطلاقاً الولايات المتحدة أو بريطانياً، ومن ثم انقلبت الصورة مع ازدياد عدد الدول الأعضاء في الجمعية العامة وجلّهم من خصوم واشنطن والغرب الاستعماري حينها. وتشير الإحصاءات على سبيل المثال إلى أنه بين العامين 1976 و1985 لجأت واشنطن إلى الفيتو 34 مرة مقابل 6 مرات لموسكو، وبعد العام 1986 وحتى العام 1998 رفعت الولايات المتحدة حق الفيتو 23 مرة مقابل عدم استخدام موسكو لذلك الحق. مع التذكير أن معظم مواقف واشنطن المعارضة لقرارات مجلس الأمن كانت ولا تزال من أجل منع حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وكذلك منع إدانة "إسرائيل" على الرغم من اعتداءاتها المُتكرّرة والمُتواصلة ضدّ العرب ولا سيما فلسطين.

ولكن الأمور تغيّرت قليلاً خلال الأزمات التي ضربت العالم العربي أو ما عُرٍفَ بـ "الربيع العربي"، عندما وقفت موسكو وبكين إلى جانب دمشق واستخدمتا الفيتو مرات عدّة للحفاظ على وحدة وسيادة سوريا، مع التذكير أن الصين الشعبية ومنذ دخولها إلى مجلس الأمن عام 1971 خلفاً للصين الوطنية لم تستخدم الفيتو سوى 5 مرات حتى العام 2012، وبعدها استخدمته 5 مرات خلال التصويت على قرارات تتعلّق بسوريا.

في المقابل يرى أكاديميون أن منح حق النقض الفيتو للدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وحرمان الدول الأخرى يُعدّ انتهاكاً لمبادئ وقواعد القانون الدولي المتعلّقة بالمساواة بين الدول بصورة عامة، وانتهاكاً للمبادئ التي قامت عليها المنظّمة الدولية لا سيما ما نصّت عليه المادة 2 الفقرة 1 من ميثاق الأمم المتحدة التي تقضي بأن الأمم المتحدة تقوم على أساس المساواة في السيادة بين جميع أعضائها. حيث يذهب عدد من الباحثين إلى أن حق النقض حق هدّام لا يخدم السِلم والأمن الدوليين ، ويطالبون بإلغاء هذا الحق لأنه يتنافى مع نصوص الميثاق الداعية إلى المساواة في السيادة.

المُطالبات بتعديل ميثاق الأمم المتحدة

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات من القرن الفائت ومع صعود نجم الأحادية القطبية، كثرت الدعوات لتعديل ميثاق الأمم المتحدة، ولكن دون ذلك  صعوبة تكمن في أن التعديل، وبحسب الميثاق، يحتاج إلى موافقة الدول الخمس دائمة العضوية، فيما كانت واشنطن من أكثر المتحمّسين للتعديل، وعليه فإن التعديل يبقى رهن توافق الأعضاء دائمي العضوية في مجلس الأمن.

أما الأهداف من التعديل فتبقى إلى حدٍ كبيرٍ لتنفيذ رغبة الولايات المتحدة عِلماً أن الميثاق ينصّ على مبادىء تصبّ جميعها في خدمة الدول الصغرى، وتنصّ على سبيل المثال على:

حق الشعوب في تقرير مصيرها.

عدم استعمال القوّة أو التهديد باستعمالها .

المساواة بين الدول، واحترام سيادتها.

التعاون بين الدول في المجالات كافة.

في المُحصّلة وبحسب الدكتور حسن جوني فإن " الأميركي يريد إلغاء، أو على الأقل تعديل، تلك المبادىء ليظلّ ميزان القوّة في صالحه".

وشهدت الأمم المتحدة نقاشاً حول التعديل وتجلّى في عهد الأمين العام السابق الراحل بطرس غالي، وكذلك طَرْح أفكار بشأن منح الفيتو لدول في آسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية وتحديداً لليابان والبرازل ونيجيريا وكذلك لألمانيا .

جوهر تلك التعديلات وفق جوني كانت لإيجاد دول تُقارع الصين في آسيا، وكذلك للوقوف بنديّة ضدّ فرنسا عندما يمنح الفيتو لألمانيا . وفي حال بات لدى دول لا تتمتّع بقوّة أو بمقدّرات جيوبوليتيكية لتنفيذ قرارات أو منع تنفيذها فمن الصعوبة في مكان أن تكون قادرة على ذلك.

في المُحصّلة لا تزال فقط الدول دائمة العضوية تتمتّع بحق الفيتو وأن أية محاولة لتعديل الوضع الراهن لا يمكن أن تنجح من دون موافقة هذه الدول أو على الأقل عدم اعتراض واحدة منها على قرار التعديل، وتبقى المسألة أسيرة الحلقة المُفرَغة.