حرب.. فانتصار الجمال

بعد أن أعلنت دمشق مدينة خالية من الإرهاب باسترجاع آخر معاقل الإرهابيين في مخيم اليرموك، وانحسار نشاط الميليشيات المسلحة بمساحة ضيقة من الجغرافيا السورية، تحسّن المزاج العام للسوريين، وبدأت فعاليات ومبادرات فنية تظهر بوتيرة ملفتة في المدن السورية. ورغم أن هذه مبادرات كانت موجودة خلال سنوات الحرب، إلا أن المراقب للشارع السوري يستطيع أن يلمس جمالية عالية تميزّت بها هذه المبادرات بعد أن شارفت الحرب بصورتها العسكرية على الانتهاء.

حرب.. فانتصار الجمال

يعرف العالم الوجوه القبيحة للحرب في سوريا، كدمار وقتل وتهجير ونار وإرهاب.

لكن السوريين، بشغفهم المعهود للجمال والحياة، واجهوا قباحة الحرب في ميادين الفن والموسيقى والتصوير والرقص والمسرح، وانتصروا عليها بالجمال.

هي الثقافة الموروثة للشارع السوري من جدوده الأوائل، الذين شيّدوا صروحاً لازالت إلى اليوم تشهد على ثقافة حضارة تضرب جذورها في عمق التاريخ.

والسنوات الماضية والقليلة القادمة، هي تاريخ جديد يعبّر عنه ويوثقه ورثة تدمر وبصرى والحصن، كل ضمن اختصاصه، بمن فيهم الفنانون.

منذ بداية الحرب، ظهرت وبشكل لافت العديد من المبادرات والفعاليات الفنية التي هدفت بشكل من الأشكال إلى رفض واقع الحرب المفروض على الشعب السوري، أو على الأقل الحد من وطأته.

بعد أن شارفت الحرب - بصورتها العسكرية- على الانتهاء، ظهرت موجة جمالية عالية في مختلف الميادين الفنية، تمثل بعضها بمبادرات فردية تسد حاجة ماسّة لإعادة التوازن النفسي لشعب شهد الأهوال خلال بضع سنوات. ولترميم الثقافة المجتمعية السورية المنحازة بطبيعتها للسلام والجمال، بعد أن تداعت مع كل جحافل الإرهابيين الذين زحفوا إلى البلاد حاملين معهم فكراً متطرفاً.

توزع المبادرات الفنية تأثيرها في اتجاهين، الفنان المبادر، والجمهور المتلقي. حيث أن الطرفين نالت منهما الحرب ما نالت، فالأول يحتاج للتعبير عن نفسه، والآخر بحاجة لَمن يساعده لاستعادة ما يمكن من توازنه النفسي. المبادرات هذه، وإن كانت امتداداً لشبيهاتها خلال سنوات الحرب وذروتها، إلا أنها تحمل منطقاً مختلفاً، فانتقل المبادرون من رد الفعل إلى الفعل.

يحاول المبادر الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناس، فيهب فنه للمارّة المنهكين على الطرقات، لليائسين المتصفحين لمواقع التواصل الاجتماعي على هواتفهم. وإن كان السوريين قد انقسموا حول كل شيء تقريباً، إلا أنهم ما زالوا يجمعون على الجمال والفن، ويتحلقون حوله كأطفال أنهكهم اللعب (شرطة وحرامية) طول النهار.