كيف يُعبّر الإنسان اليمني بأن التطبيع مع "إسرائيل" دعم لقاتليه؟

يكتب صدام الكمالي، وهو صحافي يمني في المهجر، تعليقاً على الغارات الإسرائيلية على قطاع غزّة مساء أمس "كعادتها غزّة تعلّمنا معنى المقاومة والصمود وتذكّرنا بالقضية التي نساها الكثير في مزاد التطبيع والابتذال.. هذه غزّة يقظة في حين الجميع نيام".

"التطبيع" مفردة مكروهة في اليمن بالفعل
"التطبيع" مفردة مكروهة في اليمن بالفعل

لا مكان للتطبيع في موطن العرب الأول، وعندما تذكر كلمة "صهيونية" يتحسّس اليمني سلاحه. "التطبيع" مفردة مكروهة في اليمن بالفعل.
يعتقد الكثير من الشعب اليمني أن مآسيهم اليوم هي بفعل "فاعل"، ويشيرون إلى "إسرائيل". وعندما خرج التطبيع كمشروع إلى العلن، قبل أيام، لم يُصدم اليمنيون كثيراً "لأننا ببساطة كنا نعرف أن هذه الإمارات والمشيخات والسلطنات على ضفاف الخليج العربي هي صنيعة الاستعمار، وليست نتاج فكر وموروث حضاري متراكم"،.. هكذا قال قحطان الفلاحي عشية زيارة رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي إلى مسقط، الشهر الفائت. ولهذا قال عضو مجلس نقابة الصحفيين عبد الله الصعفاني "أنا مندهش من المندهشي، الذين استغربوا من عنوان المقال: نتنياهو في ضيافة قابوس"!. 
على مستوى الشارع اليمني، والناس العاديين هناك تسليم قطعي بأن دول الخليج كأنظمة "كانت مطبّعة مع "إسرائيل" في الخفاء ومتعاونة مع بن غوريون منذ لحظة التأسيس الأولى"، وفقاً لـ"خالد حسن"، شاب في الـ26 من عمره، سائق دراجة نارية، وخريّج جامعة.

وأضاف جازماً "الشعوب العربية لن تذهب إلى التطبيع، و"إسرائيل" تدرك هذه الحقيقة، ولذلك تصب النار على الزيت لإذكاء مزيد من الحرائق في البلاد العربية".
الموقف لا يختلف كثيراً عند النخبة اليمنية من كتّاب وصحفيين وساسة، على الرغم من إحجام القليل عن إبداء آرائهم خاصة، أولئك الذين انجرفوا مع عاصفة العدوان السعودي على اليمن. لكن هناك آراء ومواقف قوية وشتائم وجدل بهذا الخصوص على الضفة الأخرى.
حسن العديني، كاتب يمني كبير، ورئيس تحرير سابق لجريدة "الوحدوي"، لسان حال التنظيم الشعبي الناصري، علّق ساخراً "كان السادات يريد أن يبوس (يقبّل) رؤوسهم من أجل أن يخرجوا من سيناء، بعدها لم يجد استثمار النصر، فلماذا يقبّل هؤلاء أحذيتهم وظفار هنا معنا على خط التماس"، هكذا نشر في صفحته على "فيسبوك"، ويقصد بـ"ظفار"، المقاطعة العمانية الخضراء التي تقع على حدود اليمن.
يضيف العديني، وهو من قدامى الصحفيين في اليمن ومفكّر أيضاً "أظنّ أن سوريا والجزائر فقط لا يقيمان علاقات مع العدو".
بعدها خاض العديني جدالاً حاداً مع رفيقه الأمين العام الأسبق للتنظيم الشعبي الناصري، عبد الملك المخلافي الذي كان أميناً عاماً للمؤتمر القومي العربي، ووزيراً سابقاً لخارجية هادي.

قال حسن العديني ساخراً من المخلافي إذ يدافع عن وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بخصوص قضية "خاشقجي"، قال "يتساوى دفاع الأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي عبد الملك المخلافي عن النظام السعودي في موضوع قتل خاشقجي مع دفاع رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو عن ذات النظام"!.. وبهذه الطريقة التهكمية اللاذعة تلقى العديني عاصفة من التعليقات الغاضبة المُدافعة عن مواقف ومقاصد المخلافي.

مارك أبو ديب يرفع الرأس:
أمين عام نقابة الصحفيين اليمنيين، محمّد شبيطة، هو الآخر، كتب على حائط "فيسبوك"، قائلاً "يتسابق قادة وسياسيو دويلات الخليج للحج إلى تل أبيب، ويستقبلون القتلة من المسؤولين الإسرائليين ورياضييهم الحاملين النجمة السداسية فوق التراب العربي، وفي هذا التوقيت يقف الفتى اللبناني العربي مارك أبو ديب موقف إباء وشموخ رافضاً اللعب مع الصهاينة في بطولة الشطرنج العالمية لأنه يعرف أنهم يقتلون إخوانه الفلسطينيين".
وهذا الكاتب المعروف مصطفى راجح، يقول "كل شيء يُعدّ لتصفية القضية الفلسطينية بطريقة غير عادلة بمشاركة الفجوة الخليجية".

ويضيف بن راجح "الشعوب العربية سترفض كل هذا الوهم وستقاوم وسيسقط المشروع الصهيوني أرضاً".

الصوَر المتسارعة ومعركة الوجود العربي:
بالنسبة للمفكّر والناقد محمّد ناجي أحمد، فالعرب أمام تحدٍ حقيقي ولن يسقط المشروع بهذه البساطة. وكتب ناجي مقالاً مطولاً في هذا السياق نشرته جريدة "المسيرة"، جاء فيه "إننا أمام التحدي الحقيقي المتمثل في تطويع الشعوب العربية وهزيمتها نفسياً من خلال الصدمة والرعب ومن خلال مزيد من الإفقار والتجهيل والحروب الطائفية والمناطقية بعد أن تحقّق للكيان الصهيوني التطبيع مع الأنظمة العربية سياسياً واستخباراتياً واقتصادياً وثقافياً ورياضياً". ويضيف في المقال ذاته "الصراع في الوطن العربي ليس صراعاً اجتماعياً فحسب، بل هو على المستوى القومي صراع وجودي في مواجهة الغرب الإمبريالي وذراعه المتقدّمة إسرائيل وكياناتهم الوظيفية في المنطقة".
وتعليقاً على المستجدات السياسية في هذا الملف، قال محمّد ناجي "إن هذه الصور المتسارعة للتطبيع من عُمان إلى الإمارات إلى قطر جاءت بالتزامن مع إلهاء الناس بحدث "خاشقجي" وبأن حبل المشنقة يلتف على عنق محمّد بن سلمان وحقيقة الأمر أن حكاية "خاشقجي" تعمل على تمتين دور بن سلمان في المنطقة والصورة واضحة بشدّة يُراد منها تعتيم الرؤية عن المشروع الصهيوني الذي يُراد تمكينه في المنطقة العربية بشكل خاص والشرق الأوسط بشكل عام".
من وجهة نظر كاتب المقال، فإن الرد الفاعل على هذا الهجوم الناعم والصادم، يكون "بعدم الإنسحاق أمام هذه الصوَر الصادِمة والهادفة إلى إسقاط روح المُمانعة والعمل بجهد مُضاعف في الأوساط الجماهيرية من أجل تمتين روح الرفض والصمود في معركة الوجود العربي".

إسرائيل تصل إلى بحر العرب:
يرى المناضل والكاتب اليساري، عبد الجبار الحاج بأنه لا يمكن عزل الأهداف الخفيّة للتحالف والحرب الغاشمة ضدّ اليمن عن أهداف إسرائيل الخفية من الحرب وأطماعها المعلومة منذ مطلع السبعيينات، "وكان مؤتمر تعز مطلع السبعينات ثم مؤتمر البحر الأحمر في ما بعد، الشروع في القرار لضرب أهداف إسرائيل في التمدّد والسيطرة على مياه وسواحل البحر الأحمر وإحكام سيطرتها على كل البحر الأحمر".
ويضيف الحاج "لأن إسرائيل تريد تحويل البحر الأحمر من بحر عربي إلى بحر عبري في نهاية الهدف وتريد تحرّكها عليه مفتوحاً وآمناً إلى بحر العرب والمحيط الهندي. تلك هي أهداف زيارة نتنياهو وتعمد علنيّتها ليس إحراج عُمان بل أن التطبيع هو علنية العلاقة لإزاحة الحاجز النفسي لدى الشعوب العربية الرافضة، وهذا تماماً معنى كلمة تطبيع وإلا فالعلاقات والمكاتب كائنة وقائمة سرّاً وعلناً منذ البداية".
أما وليد مانع وهو كاتب وصحافي بارز، فيرى أن مشروع التطبيع مع الكيان الصهيوني "مجرّد حلقة في سلسلة الهزائم والانتكاسات العربية التي أعقبت نكبة 67 وقبلها نكبة 48، كما يعد التجسيد الأكمل لسقوط الأقنعة عن الوجوه القبيحة لأنظمة الرجعية العربية الوكيلة للقوى الاستعمارية والممثلة لمصالحها وفي مقدّمها الملكيات والأنظمة الراثية الخليجية على وجه الخصوص".
وكتب صدام الكمالي، وهو صحافي يمني في المهجر، تعليقاً على الغارات الإسرائيلية على "غزّة" مساء أمس "كعادتها غزّة تعلّمنا معنى المقاومة والصمود وتذكّرنا بالقضية التي نساها الكثير في مزاد التطبيع والابتذال.. هذه غزّة يقظة في حين الجميع نيام.