لبنان 2018: الدخول في نادي الدول النفطية وإجراء الانتخابات البرلمانية وتعثر تأليف الحكومة

تميز العام 2018 في لبنان بالاستقرار الامني بعد تحرير جرود السلسلة الشرقية من الجماعات الارهابية ، وكذلك نجحت الحكومة في إجراء الانتخابات البرلمانية وفق نظام النسبية بعد تمديد ولاية البرلمان من العام 2013 حتى أيار / مايو 2018 ، إلى ذلك ظل الاخفاق ملازماً عملية تأليف الحكومة وسط تعقيدات لا يزال البحث عن حلول لها مستعصياً.

لم يكن إجراء الانتخابات البرلمانية في لبنان حدثاً عادياً وذلك بعد أن مدد البرلمان ولايته 3 مرات منذ العام 2013
لم يكن إجراء الانتخابات البرلمانية في لبنان حدثاً عادياً وذلك بعد أن مدد البرلمان ولايته 3 مرات منذ العام 2013

إفتتح لبنان العام 2018 بالاعلان رسمياً عن إنضمامه إلى نادي الدول النفطية بعد أن وقع أول اتفاقيتين لاستكشاف وإنتاج النفط والغاز في مياهه الإقليمية في ظل حالة من التوتر الحذر بعد التهديدات الاسرائيلية لمنع بيروت من الافادة من الثروات النفطية لا سيما في البلوكات الجنوبية المحاذية للمياه الاقليمية لفلسطين المحتلة.

وحاولت تل أبيب توسيط واشنطن لحث لبنان على القبول بتقاسم تلك البلوكات ولكن بيروت أصرت على حقها الكامل فيها، وحذر الجيش والمقاومة تل أبيب من التعرض لثروة البلاد النفطية. وكان  مجلس الدفاع الأعلى في لبنان اعلن عقب التهديدات الاسرائيلية أنه يمنح الغطاء السياسي للقوى العسكرية لمواجهة أي اعتداء إسرائيلي على الحدود في البر والبحر.

وسبق ذلك اقرار مجلس الوزراء في أول جلسة له بعد عودة الرئيس سعد الحريري عن إستقالته الملتبسة والتي كان اعلنها من الرياض في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، ونقلت تلك الجلسة الحكومية لبنان إلى نادي الدول النفطية بعد الاعلان عن الاتفاق مع تحالف الشركات النفطية على أن  يبدأ الحفر لاستخراج النفط والغاز عام 2019، وستكون حصة الدولة من الإنتاج بين 60 و70 في المئة في البلوك الشمالي ( أي البلوك رقم 4 ) ، وبين 50 و60 في المئة في البلوك الجنوبي المحاذي لفلسطين المحتلة (البلوك رقم 9).

وكانت شركة توتال الفرنسية  قد فازت مع شركة إيني  الإيطالية، وشركة نوفاتيك الروسية في جولة التراخيص التي اجرتها وزارة الطاقة. وأثارت تلك الخطوة غضب "إسرائيل" بسبب حساسية موقع البلوك رقم 9  وإدعاء تل أبيب حقها في التنقيب عن النفط والغاز على مساحة تبلغ نحو 860 كيلومتراً مربعاً بمحاذاة ذلك البلوك.

 

الانتخابات البرلمانية: موازين قوى جديدة

لم يكن إجراء الانتخابات البرلمانية في لبنان حدثاً عادياً وذلك بعد أن مدد البرلمان ولايته 3 مرات منذ العام 2013 بسبب تعذر الاتفاق على قانون جديد للانتخابات .

إلا أن القوى السياسية إتفقت صيف العام 2017 على إقرار قانون جديد للإنتخابات وفق النظام النسبي وذلك للمرة الاولى في تاريخ البلاد، وحددت السادس من أيار/ مايو 2018 موعداً لعودة اللبنانيين للإحتكام إلى صناديق الاقتراع بعد 9 سنوات على إجراء آخر انتخابات تشريعية (جرت تلك الانتخابات في 7 حزيران/يونيو عام 2009 وكان من المفترض أن تنتهي ولاية البرلمان في جزيران/ يونيو عام 2013).

وعملاً بالنظام النسبي وإعتماد الصوت التفضيلي أفضت الانتخابات إلى تراجع الكتلة البرلمانية  لتيار المستقبل برئاسة رئيس الحكومة سعد الحريري بنسبة كبيرة حيث لم يحصل التيار سوى على 20 مقعد نيابي مقابل 

حصوله في الانتخابات الأخيرة في العام 2009، على 33 مقعداً وحاز مع حلفائه حينها الأكثرية المطلقة.

في المقابل عزز التيار الوطني الحر الذي أسسه الرئيس اللبناني العماد ميشال عون حضوره في البرلمان وحاز مع مقربين منه 29 مقعداً نيابياً ليشكل أكبر كتلة برلمانية في مجلس النواب، على الرغم من أن خصمه التقليدي السابق أي حزب القوات اللبنانية برئاسة سمير جعجع ضاعف حضوره البرلماني وحصل على 15 مقعداً.

لكن خسارة تيار المستقبل جاءت بعد فوز عدد من النواب المستقلين من قوى 8 أذار على لوائح منافسة للمستقبل والذين أسسوا لاحقاً  اللقاء التشاوري الذي يضم 6 نواب من السنة المستقلين.

أما حزب الله وحركة أمل فحافظا على مقاعدهما البرلمانية، فيما تراجعت كتلة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط من 13 إلى 9 مقاعد .

وفي المحصلة أفرزت الانتخابات النيابية 3 تكتلات أساسية وفق التصنيفات اللبنانية التقليدية وهي: قوى 8 أذار التي حصلت على 45 مقعداً، مقابل 44 مقعداً لقوى 14 أذار، و29 مقعداً لتكتل لبنان القوي أي التيار الوطني الحر والمتحالفين معه. تجدر الإشارة إلى أن إعتماد ذلك التصنيف لا يصح دائماً وإنما تلك الاصطفافات هي عرضة للتغيير وهو ما تجلى خلال إعادة إنتخاب رئيس البرلمان نبيه بري لولايته السادسة والتي ستنتهي في العام 2022 حيث نال 98 صوتاً من الكتل الثلاثة الاساسية فيما امتنعت كتلة القوات اللبنانية ومعها عدد من تكتل لبنان القوي عن إنتخابه، في الوقت الذي نال فيه نائبه إيلي فرزلي 80 صوتاً .

 

تكليف الحريري ولا تأليف للحكومة عام 2018

بعد الانتخابات البرلمانية وبحسب الدستور باتت حكومة الرئيس سعد الحريري حكومة تصريف أعمال إلى حين تاليف الحكومة الجديدة، وبعد إعادة تسمية الحريري ب111 صوتاً من اصل 128 في 24 أيار / مايو لم ينجح الاخير في تأليف الحكومة على الرغم من الثقة العريضة التي حازها، وتعثرت ولادة الحكومة مرات عدة بسبب عدم إعتماد معيار موحد في توزيع المقاعد الوزارية على الكتل البرلمانية.

تعثر تأليف الحكومة بعد دخول التكليف شهره الثامن أدخل البلاد في أزمة سياسية لامست أزمة نظام ما دفع الرئيس عون إلى التلويح مراراً بالعودة إلى البرلمان لبت أزمة التأليف والتكليف.

وتكمن آخر التعقيدات في التأليف بالخلاف على آلية تمثيل اللقاء التشاوري في الحكومة، فضلاً عن إعادة توزيع بعض الحقائب، علماً أن التفاؤل بولادة الحكومة كان قد ارتفع منسوبه وكانت التوقعات بأن تصدر مراسيم تأليفها في الاسبوع الاخير من العام 2018.

 

إستقرار أمني ...وتهديدات إسرائيلية

لم يشهد العام 2018 تطورات أمنية بارزة، ونعمت البلاد بإستقرار أمني لافت لا سيما بعد تحرير جرود السلسلة الشرقية المحاذية لسوريا من الجماعات الارهابية صيف العام 2017، وتراجع الخطر الارهابي الذي كان يضرب لبنان في السنوات الفائتة مع القضاء على تلك الجماعات في عمليتي "فجر الجرود" التي خاضها الجيش اللبناني، وعملية "إن عدتم عدنا" التي خاضتها المقاومة اللبنانية.

وفي موازاة ذلك نجت الاجهزة الامنية في تفكيك بقايا الخلايا الارهابية وتوقيف عدد من عناصرها في مناطق لبنانية مختلفة وكذلك تنفيذ عمليات نوعية لتوقيف عناصر ارهابية داخل مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين جنوب البلاد، وكذلك أعلنت القوى الامنية عن إحباط أكثر من عملية إرهابية جرى الاعداد لها داخل وخارج لبنان ومنها من كان سيستهدف الجيش اللبناني ودور العبادة وكذلك استهداف البلاد خلال الانتخابات البرلمانية.

لكن الاستقرار الداخلي عكرته التهديدات الاسرائيلية لا سيما بعد مزاعم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن وجود معامل للصواريخ الدقيقة قرب مطار بيروت الدولي ما استدعى رداً دبلوماسياً ميدانياً من خلال جولة نظمها وزير الخارجية جبران باسيل لعشرات السفراء المعتمدين في لبنان على تلك المواقع المزعومة ليتبين عدم صحة ادعاءات تل ابيب. "إسرائيل" عمدت أيضاً إلى تنفيذ ما سمتها عملية "درع الشمال" لتدمير أنفاق تزعم أن المقاومة أنشأتها. وطالب لبنان الامم المتحدة بتسليمه الاحداثيات لتلك الانفاق ولكن لم يصله أي توضيحات حسية عن الانفاق التي زعمت تل أبيب أنها وجدتها داخل الاراضي المحتلة ومن ثم قامت بتفجيرها.

وقبيل انقضاء العام 2018، كادت الطائرات الحربية الاسرائيلية أن تتسبب بكارثة في لبنان عندما عمدت إلى تنفيذ عدوان على سوريا مستخدمة الاجواء اللبنانية ومتسترة بمسارات طائرات مدنية في تلك الاجواء ما دفع بيروت إلى تقديم شكوى في مجلس الامن ضد تل ابيب.

 

اشتباكات المية ومية وحادثة الجاهلية

صحيح أن الامن كان مستقراً في لبنان ولكن ذلك لم يمنع اندلاع اشتباكات داخل مخيم المية ومية للاجئين الفلسطينيين بالقرب من مدينة صيدا جنوب البلاد، وبعد تدخلات سياسية لبنانية وفلسطينية نجحت الفصائل الفلسطينية والجيش اللبناني بوضع حد لتلك الاشتباكات وإبعاد عدد من المتورطين فيها .

أما الحادث الامني الابرز في لبنان فكان في بلدة الجاهلية في جبل لبنان عندما ارسلت قوى الامن الداخلي فرقة من فرع المعلومات لتبليغ رئيس حزب التوحيد العربي الوزير السابق وئام وهاب مذكرة قضائية، وكادت البلاد أن تدخل في أتون حرب داخلية لولا تدخل بعض القوى وعلى رأسهم حزب الله لتدارك خطورة القرار الامني القضائي، والطريقة التي رافقت محاولة تنفيذ القرار القضائي والتي أدت إلى مقتل أحد مرافقي وهاب محمد ابو ذياب خلال دخول القوة الامنية بلدة الجاهلية.

ولاحقاً تدارك المسؤولون خطورة تلك الحادثة وعادت الامور الى نصابها فيما لا تزال التحقيقات مستمرة في الظروف الملتبسة لتلك الحادثة، علماً أن من تداعياتها كان اعادة لم الشمل لعدد من القوى، لا سيما في جبل لبنان، بعد فراق حتمته الانتخابات البرلمانية الاخيرة.