روسيا تدعم المقاومة سياسياً في رهانها على دور في حلّ الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي

روسيا تراهن على دورها كدولة وحيدة تتمتع بنفوذ قوي وعلاقات متوازنة مع جميع اللاعبين في الشرق الاوسط.وموسكو تعمل على إضعاف مواقع واشنطن في المنطقة، وتعتبر قرار الرئيس الاميركي دونالد ترامب بالانسحاب من سوريا خطوة هامة يخدم هذا الرهان.

موسكو تعمل على إضعاف مواقع واشنطن في المنطقة، وتعتبر قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالانسحاب من سوريا خطوة هامة تخدم هذا الرهان
موسكو تعمل على إضعاف مواقع واشنطن في المنطقة، وتعتبر قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالانسحاب من سوريا خطوة هامة تخدم هذا الرهان

روسيا إذ ترى أنها خرجت منتصرة من الحرب في سوريا تراهن على دورها كدولة وحيدة تتمتّع بنفوذ قوي وعلاقات متوازنة مع جميع اللاعبين في الشرق الأوسط.

موسكو تعمل على إضعاف مواقع واشنطن في المنطقة، وتعتبر قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالانسحاب من سوريا خطوة هامة تخدم هذا الرهان. وفي هذا الصدد تحاول الدبلوماسية الروسية تنشيط سياستها في إطار الصراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي، وخاصة في ظلّ تعثّر المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية التي رعتها الولايات المتحدة والتي وصلت إلى طريق مسدود منذ العام2014. 

وفي الوقت نفسه تنطلق الدبلوماسية الروسية ممثلة برئيسها سيرغي لافروف ونائبه ميخائيل بوغدانوف من أن موسكو تحتفظ بعلاقات خاصة مع كل من السلطة الوطنية وحماس. هذا من ناحية، أما من الناحية الأخرى فترى هذه الدبلوماسية أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مستعد لتقديم تنازلات لروسيا، خاصة بعد حادثة إسقاط طائرة الاستطلاع الروسية قبالة الشاطئ السوري في أيلول سبتمبر الماضي، التي أدّت إلى تأزّم في العلاقات الروسية الإسرائيلية.

وفِي المؤتمر السنوي الرابع للحوار المتوسّطي الذي عقد في روما في 23 تشرين الثاني / نوفمبر من العام الماضي، أكد لافروف استعداد روسيا للتوسّط في حل القضية الفلسطينية، وعقد لقاء بين محمود عباس وبنيامين نتنياهو في موسكو من دون شروط مسبقة.

وقد بدأت موسكو بالفعل الاستعدادات لتنشيط سياستها في الاتجاه الفلسطيني الإسرائيلي منذ نهاية حزيران / يونيو العام 2018 على الأقل. ففي 26 منه زار وفد حماس برئاسة مسؤول مكتب العلاقات الخارجية في الحركة موسى أبو مرزوق موسكو "للبحث عن سبل لإنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الفلسطينية" ، كما أكد ذلك أبو مرزوق نفسه في تصريح هاتفي للميادين. وفي 12 تموز / يوليو، التقى رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين "لمناقشة الأوضاع الإقليمية". وبعد مضيّ أسبوعين، أي في 25 تموز / يوليو، توجّه مدير المخابرات العامة الفلسطينية ماجد فرج إلى روسيا. وخلال اجتماعه مع أمين سر مجلس الأمن الروسي نيكولاي باتروشيف، تمّت مناقشة "قضايا التعاون الأمني الروسي-الفلسطيني".

وبحلول شهر تشرين الثاني / نوفمبر ازداد النشاط الروسي بشكل ملحوظ. ففي العاشر منه التقى مدير الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية أنور عبد الهادي في موسكو نائب وزير الخارجية الروسية ميخائيل بوغدانوف "لمناقشة الوضع في المنطقة".

وفي منتصف ذلك الشهر انتهت المواجهة العسكرية بين حماس وإسرائيل بتعزيز كبير للمواقع السياسية للمقاومة الإسلامية. ورأى بعض المحلّلين في روسيا أن هذا "الانتصار" تحقّق، من بين أمور أخرى، بسبب التدهور الحاد في العلاقات بين روسيا وإسرائيل، والذي أجبر الدولة الصهيونية على توخّي الحذر بشكل خاص في مواجهتها مع غزّة. وبعبارة أخرى فإن المقاومة تلقّت الضوء الأخضر من موسكو لاستخدام أسلحة جديدة لم تُستخدَم من قبل ضد الجيش الإسرائيلي مثل صواريخ "كورنيت".

وفي 27 من الشهر نفسه عُقد اجتماع للجنة السياسية الروسية - الفلسطينية المشتركة في موسكو برئاسة نبيل شعث (مستشار الشؤون الدولية لدى سلطة عباس) وميخائيل بوغدانوف، حيث تمّت مناقشة العلاقات الثنائية والخطوات الروسية في المنطقة. وفِي اليوم التالي نقل حيدر أغانين سفير روسيا لدى السلطة الوطنية دعوة من وزارة الخارجية الروسية إلى رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية لزيارة روسيا. وأكّد أغانين للميادين في مكالمة هاتفية إن الزيارة ستتم في أواسط كانون الثاني / يناير العام2019. 

وفي وقت متزامن أعلن وزير خارجية السلطة الوطنية الفلسطينية رياض المالكي تلقّيه دعوة لزيارة روسيا في 21 ديسمبر /  كانون الأول، لمناقشة آفاق تسوية فلسطينية إسرائيلية والعلاقات الثنائية. وقد تمّت الزيارة في موعدها بالفعل.

في غضون ذلك واصل الكرملين سياسته في الابتعاد عن نتنياهو، الذي حاول بشتّى الطرق إجراء اتصال مباشر مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمحاولة الاتفاق على لقاء معه في محاولة لإعادة العلاقات الروسية الإسرائيلية إلى سابق عهدها. ولكن الخارجية الروسية ماطلت طويلاً إلى أن وافق الكيان  الإسرائيلي على قبول وساطة موسكو في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وفي 8 كانون الأول / ديسمبر الماضي جرى اتصال هاتفي بمبادرة من الجانب الإسرائيلي بين بوتين ونتنياهو. ولم تستغرق المحادثة وقتا طويلاً، ولكن المهم  هو أن بوتين رفض مجدّداً تحديد موعد للقاء نتنياهو، وفي  ردّه على سؤال مباشر من نتنياهو أجاب  بطريقة مُبهمة: "في المستقبل ربما سيحدث". وبالإضافة إلى ذلك، وافق بوتين على وصول وفد من الجيش الإسرائيلي إلى موسكو للقاء نظرائه الروس. وبعد بضعة أيام، وصل هذا الوفد بسرعة إلى موسكو. وفي 12 كانون الأول / ديسمبر، عُقد اجتماع بين كبار المسؤولين في الإدارتين العسكريتين الروسية والإسرائيلية، حيث نوقش الوضع في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى التدابير لمنع الحوادث الخطيرة في سوريا. وفِي اجتماعين إثنين عقدهما الوفدان برئاسة كل من نائب رئيس مديرية العمليات لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية الجنرال فاسيلي تروشين ورئيس قسم التكنولوجيا واللوجستيات في الجيش الإسرائيلي اللواء آرون هليفي، تم التوصّل إلى اتفاق واحد فقط هو مواصلة الاتصالات، أي اتفقا على لا شيء عملياً.

وفي 17 كانون الأول / ديسمبر، جرى لقاء بين سيرغي لافروف وإسحق هيرتزوغ رئيس الوكالة اليهودية "سوخنوت"، حيث تركّز الحوار بشكل رئيسي على مسألة استقرار الوضع في غزّة، مع التطرّق بشكل بسيط إلى موضوع العلاقات الروسية الإسرائيلية. وقد أشار لافروف في اللقاء إلى أن الأولوية الأكثر أهمية بالنسبة لروسيا في التعامل مع الكيان الإسرائيلي هي سلامة الجنود الروس.

وفي منتصف الشهر نفسه التقى لافروف بالسفير الإسرائيلي لدى روسيا غاري كورين. لكن هذا اللقاء صُنّف حسب الإعلام الإسرائيلي بالفاشل بل وصِف "بالكارثي" من وجهة نظر إسرائيلية. فقد أعرب كورين عن استيائه من دعوة حماس إلى موسكو. وردّ لافروف بأن روسيا نفسها هي من تختار إلى من تتحدّث،  كما أكّد أن روسيا لا تعتبر حماس منظمة إرهابية، علاوة على ذلك ، فإن إسرائيل نفسها تفاوض الحركة ولو بشكل غير مباشر عندما تريد التوصّل إلى وقف لإطلاق النار معها. وحين أشار السفير إلى أن نتنياهو كان يأمل في تنظيم سريع للقمّة الروسية الإسرائيلية، تجاهل لافروف الأمر ولم يعقّب عليه.

وفي اليوم التالي استضافت إسرائيل اجتماعاً للجنة الشؤون الخارجية والدفاع بالكنيست مع وفد من ممثلي مجلس الاتحاد الفيدرالي الروسي بقوام كل من قسطنطين كوساتشيف وفلاديمير بونداريف رئيسي لجنتي الشؤون الخارجية والأمن والدفاع في الغرفة العليا في البرلمان الروسي. وقد بدأ الجزء الرسمي من هذا الاجتماع بمفاوضات مغلقة، حيث تمّت مناقشة قضايا تحسين العلاقات الروسية الإسرائيلية.  وأخيراً اتصل نتنياهو مجدّداً بالرئيس بوتين في الرابع من الشهر الجاري في محاولة يائسة لتحديد موعد للقمّة معه. لكن الردّ الروسي كان مماثلاً: سيناقش هذا الموضوع عبر القنوات الدبلوماسية. والواقع أن الكرملين لا يريد أن يشارك في الحملة الانتخابية لنتنياهو، لأن بوتين لم يعد يعتبر مَن يطعنه في الظهر صديقاً له. وعلى ما يبدو أن نتنياهو لم يأخذ العبرة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعد حادثة إسقاط طائرة السوخوي.

ومن الناحية العملية فإن الاستعدادات للتسوية في الشرق الأوسط أصبحت إما مُعطّلة بشكل كبير أو أنها وضِعت في الدرج لوقت طويل، للأسباب التالية: 

أولاً، إجراءات عباس التصعيدية وحل المجلس التشريعي ما اعتبر طعنة للجهود الروسية. والأمر الذي أثار غضب الروس 

هو تأكيد الجانب الفلسطيني أثناء اللقاء مع نبيل شعث الحرص على المشاركة، ولكن في اللقاء التالي مع رياض المالكي تعذّر وزير خارجية السلطة بأن الملف ليس ملفه وأنه سينقل الحديث إلى الرئيس عباس. وبعد عودة المالكي  إلى رام الله مباشرة قام عباس بإجراءات تصعيدية وتّرت الأجواء وفاقمت الوضع.

ثانياً، الهجوم الجوي الإسرائيلي الأخير على دمشق الذي عزّز بشكل كبير مواقف الجنرالات الروس المعارضين لاستئناف التعاون العسكري مع الدولة الصهيونية. فقد أصدرت وزارة الدفاع الروسية بياناً صارماً، حول هذا الأمر حتى أن عباراته كانت مماثلة للهجة البيان الرسمي السوري. كما أعلنت الخارجية الروسية، على غرار وزارة الدفاع، عن قلقها من الهجوم الإسرائيلي وإدانتها له.

ثالثاً، إعلان نتنياهو عن انتخابات الكنيست المُبكرة، الذي عرقل، على ما يبدو، خطط وزارة الخارجية الروسية. وبات من الواضح أنه لن يكون بالإمكان، إلى حين تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة بعد انتخابات نيسان / أبريل، الدعوة إلى مؤتمر واسع النطاق لتسوية النزاع في الشرق الأوسط برعاية روسية.

موسكو مُنزعجة إلى أبعد الحدود سواء من تصرّفات السلطة الوطنية الفلسطينية أو من العنجهية الإسرائيلية. لكنها مع ذلك تبقى مصرّة على استقبال رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية والاستمرار في جهود الحل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل أنها تظهر دعماً سياسياً مُتصاعداً لخيار المقاومة.