الدرونز الصينية .. والتحذير الأميركي

أظهرت الولايات المتحدة، بوادر للتغيير في نهجها وقواعدها التصديرية الخاصة بالطائرات من دون طيّار، ففي نيسان/أبريل الماضي، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن سياسة جديدة في ما يخصّ تصدير الطائرات من دون طيّار أميركية الصنع، ستزيل العوائق أمام دخول الطائرات الأميركية إلى الأسواق العالمية، وتحد من ضياع الفرص التصديرية لصالح الدول والشركات المنافسة، لكن هذا التصريح لم تتم ترجمته على أرض الواقع بشكل ملموس حتى الآن برغم تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتخفيف مُتدرّج لحظر التصدير على أنظمة الطائرات الأميركية من دون طيّار.

فجأة، ومن دون مقدّمات واضحة، وبعد سنوات طويلة من "إهمال" التطوّرات المُتلاحقة في خريطة المبيعات العسكرية على مستوى العالم خلال العقدين الماضيين، بدأت الولايات المتحدة مؤخراً في الإهتمام بمُحاصرة آثار التقدّم الكبير الذي طرأ على الصادرات العسكرية من دول مثل الصين وروسيا إلى دول الشرق الأوسط وأفريقيا، والتي باتت تهدّد الريادة الأميركية في تصنيع وتصدير أنواع مهمة من الأعتدة العسكرية، منها على سبيل المِثال الطائرات من دون طيّار، وتحديداً الأنواع الهجومية منها، وهذا التهديد كان جليّاً في التحذيرات التي أطلقتها وزارة الدفاع الأميركية من أن دول الشرق الأوسط تتحوّل تدريجياً إلى الصين من أجل الحصول على ما تحتاجه جيوشها من طائرات من دون طيّار، وهو ما يفتح الباب واسعاً للبحث في ما يمكن أن تمثله الطائرات من دون طيّار من عناصر قوّة لدول الشرق الأوسط وأفريقيا في السنوات القادمة.

ومن مُفارقات هذه المسألة، أن الولايات المتحدة ذاتها كانت سبباً رئيساً في المكانة الحالية التي وصلت إليها الصناعة الصينية للطائرات العسكرية من دون طيّار بجميع أنواعها في أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا، فعلى الرغم من أن واشنطن كانت لسنوات تحتل الصدارة العالمية في مجال تكنولوجيا تصنيع الطائرات من دون طيّار، لكن معاييرها الصارِمة في ما يتعلق بالدول التي من الممكن أن تشترى هذه الطائرات، كانت السبب الأساس في دفع معظم دول الشرق الأوسط إلى أما تطوير قدراتها الذاتية لإنتاج طائرات من دون طيّار، أو محاولة البحث عن مصادر بديلة للشراء منها، وهنا كانت للصين الأفضلية الأولى، وهذا يعود جزئياً إلى الأسعار المُنخفِضة نسبياً للطائرات الصينية من دون طيّار، لكن من الأسباب الأخرى للأفضلية التي تتمتّع بها بكين في هذا المجال استعدادها الدائم للاتفاق مع أيّ حكومة تتواصل معها للحصول على منتجاتها العسكرية.

الطائرات من دون طيّار في الشرق الأوسط

النقطة الأهم في هذا الصدَد تتعلق بأن المبيعات الصينية من الطائرات من دون طيّار توسّعت لدرجة وصلت فيها إلى جيوش الدول التي تعتمد نظم التسليح الغربية، وذلك بعد أن وجدت هذه الدول رفضاً من جانب واشنطن لتزويدها بمنتجاتها من الطائرات من دون طيّار، فقد رفضت الولايات المتحدة عام 2015 الموافقة على طلب الأردن للطائرات الهجومية من دون طيّار "بريديتور أكس بي"، ما حدا بالأردن في العام التالي أن يتّجه شرقاً ويتعاقد مع المؤسّسة الصينية للعلوم والتكنولوجيا لشراء طائرتين هجوميتين من دون طيّار من نوع "سي أتش - فور بي".

وقد اتخذت دول أخرى خطوات مُماثلة منها العراق والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر، بعد مواجهتهم لنفس مواقف الولايات المتحدة الأميركية في ما يتعلق بالطائرات ن
من دون طيّار، العراق تعاقد مع الصين لشراء ثلاث طائرات من دون طيار من نوع "سي أتش – فور بي" بعد رفض الولايات المتحدة تزويده بالطائرات من دون طيّار من نوعيّ "أم كيو – 1" و"أم كيو – 9"، ومنذ ذلك الوقت استخدم الجيش العراقي الطائرات الصينية في مئات الطلعات القتالية ضد قوات تنظيم داعش خلال معركة الموصل. كما تعاقدت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة على طائرات من دون طيّار صينية الصنع، ففي عام 2014 اشترت الرياض طائرتين من طراز "سي أتش – 4"، وخمس طائرات من الموديل الأكبر والأكثر خطورة "وينج لونج – 2" الذي تصنعه مجموعة تشانغدو للصناعات الجوية. وقد استخدم الجيش السعودي هذا النوع من الطائرات من دون طيّار في اليمن، حيث تمركزت بعض هذه الطائرات في قاعدتيّ شرورة وجيزان الجويّتين قرب الحدود المشتركة مع اليمن، وقد تمّ إسقاط بعض هذه الطائرات خلال المعارك في اليمن، حيث تحطّمت طائرة من نوع "سي أتش – 4" في أغسطس 2018. وامتد التعاون بين الصين والمملكة السعودية في هذا المجال إلى مستوى التصنيع، ففي عام 2017، وقّعت المملكة اتفاقاً مع شركة "تشانغندو" لتصنيع طائرات من دون طيّار في مصانع على أرض المملكة. الإمارات أيضاً تمتلك عدّة أنواع من الطائرات الصينية من دون طيّار، حيث يضمّ أسطولها نوعين هما "وينج لونج" و"وينج لونج – 2"، وقد تعاقدت عليهما بعد رفض الولايات المتحدة تزويدها بطائرات هجومية من دون طيّار. وقد شاركت هذه الطائرات أيضاً في الحرب على اليمن.

في ما يتعلق بمصر، فقد بدأت علاقتها بالطائرات الصينية من دون طيّار عام 2011، حين عقدت وزارة الدفاع المصرية اتفاقاً مع شركة "إيه أس أن" الصينية، لتصنيع عدد من طائرات الاستطلاع من دون طيار من نوع "أيه أس أن - 209" محلياً، ثم حصلت مصر بعد ذلك منذ عام 2017 على عدد من الطائرات الهجومية من دون طيّار من نوعيّ "سي أتش -5" و"وينج لونج -1"، ووقّعت أواخر العام الماضي عقداً مع الصين تحصل بموجبه على أكثر من ثلاثين طائرة من النسخة الأحدث من طائرات "وينج لونج" المسمّاة "وينج لونج - 1 دي".

كما أن دولاً عربية وأفريقية أخرى بدأت بالفعل في استخدام وتشغيل الطائرات الصينية من دون طيّار، منها الجزائر التي تمتلك نوعين هجوميين هما "سي أتش - 3 أيه" و"سي أتش - 4 بي"، ونيجيريا وليبيريا اللتان تمتلكان الطائرة الهجومية من دون طيّار "سي أتش - 3".

طائرات من دون طيّار مُصنّعة محلياً

على المستوى الإقليمي، برزت خلال السنوات الأخيرة في مجال تصنيع الطائرات من دون طيّار كل من إسرائيل وتركيا وإيران، تركيا لجأت إلى إسرائيل بعد أن منعتها الولايات المتحدة من التعاقد على الطائرات الهجومية من دون طيّار "أم كيو – 1 بريديتور"، فتعاقدت على طائرات "هيرون تي بي" الإستطلاعية غير المسلّحة، لكن في السنوات الأخيرة، دفعت التحديات المُتزايدة أنقرة إلى تطوير صناعتها المحلية للطائرات من دون طيّار، وتمكّنت حتى الآن من تطوير نوعين من أنواع الطائرات الهجومية من دون طيّار، الأول هو "أنكا – أس" من إنتاج الشركة التركية للصناعات الجوية ، والثاني هو "بايركتار تي بي 2" من إنتاج شركة "كالي بايكير". كما يوجد نوع ثالث مازال في مرحلة الإختبارات وهو "كارايل" من إنتاج شركة "فيستيل" للصناعات الدفاعية. وقد استخدم الجيش التركي طائرات "بايركتار تي بي 2" في شنّ ضربات جوية ضد عناصر حزب العمال الكردستاني "بي كي كي" في جنوبي تركيا وفي المناطق الكردية شمال سوريا.

تعتبر إسرائيل المشغّل الإقليمي الأكبر للطائرات من دون طيّار، وبشكل عام تستخدم طائراتها في عمليات المراقبة والاستطلاع والتجسّس، وفي ترسانتها ثلاثة أنواع على الأقل من الطائرات الهجومية من دون طيّار، تم استخدامها لشنّ ضربات جوية في غزّة، وربما أيضاً في لبنان والسودان وسوريا. منها الطائرة الهجومية "هيرون تي بي" من إنتاج شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية، والطائرتان "هيرميس 450" و"هيرميس 900" من إنتاج شركة "ألبيت". على مستوى المبيعات الخارجية، تُعدّ إسرائيل أيضاً الأكثر نشاطاً في المنطقة، حيث قامت وفقاً لمعهد أستوكهولم بتصدير أكثر من 165 طائرة من دون طيّار إلى عملاء خارجيين خلال العقود الثلاثة الماضية، وكانت جميعها خارج منطقة الشرق الأوسط عدا ما تمّ تصديره إلى تركيا.

من البلدان الأخرى التي طوّرت قدرات كبيرة ومهمة في مجال تصنيع الطائرات من دون طيّار الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقد كان الحصار الذي تمّ فرضه على تزويدها بطائرات حديثة من دون طيّار من أكبر الأسباب التي دفعتها أكثر لتطوير برنامجها لتصنيع الطائرات من دون طيّار، فبالإضافة إلى عدّة أنواع من الطائرات الإستطلاعية من دون طيّار تمتلكها طهران، تمتلك أيضاً في ترسانتها نوعين من أنواع الطائرات الهجومية من دون طيّار، الأول هو "شاهد 129"، الذي تصنعه شركة "شاهد" للصناعات الجوية، والنوع الثاني هو الطائرة الأحدث في الترسانة الإيرانية "مهاجر – 6" والتي تمّ الإعلان عنها مؤخّراً من إنتاج شركة "القدس" لصناعات الطائرات من دون طيّار. يشبه تصميم طائرة "شاهد 129" إلى حد كبير طائرة "هيرميس 450" الإسرائيلية، ما يوحي بأن إيران قد يكون قد توافرت لها سابقاً إمكانية الوصول إلى نموذج أو أكثر من هذه الطائرة تمّ فقده في مهمة سرّية ما، ومن ثم إعادة صناعتها بإستخدام مبدأ الهندسة العكسية. تتوافق الطائرات من دون طيّار بشكل عام مع العقيدة العسكرية الإيرانية حول الحرب "غير التقليدية"، والتي طوّرتها للتعويض عن القدرات المحدودة التي تمتلكها في مجال الأسلحة التقليدية بالمقارنة بما يتوافر لخصومها.

الآفاق المستقبلية للطائرات من دون طيّار

لا تشكّل أعداد الطائرات من دون طيّار إجمالاً سوى رقماً صغيراً في ترسانات دول الشرق الأوسط، فوفقاً لمعهد أستوكهولم، صنعت الدول السبع التي تناولها تقريرها ما بين 128 إلى 174 طائرة من دون طيّار، بجانب استيرادها لنحو 23 طائرة أخرى من الصين. وبرغم هذا، إلا أنه من المرجّح أن تتزايد في المستقبل أهمية الطائرات من دون طيّار كأداة فعّالة في عمليات الإستطلاع وفي تنفيذ الضربات الجوية. ومن أهم المؤشّرات الدالّة على الحجم المتوقّع لعمليات الطائرات من دون طيّار في المستقبل توقيع المملكة العربية السعودية مؤخراً على شراء 300 طائرة من دون طيّار من نوع "وينج لونج" من إنتاج شركة "تشانغدو" الصينية.

وقد أظهرت الولايات المتحدة، بوادر للتغيير في نهجها وقواعدها التصديرية الخاصة بالطائرات من دون طيّار، ففي نيسان/أبريل الماضي، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن سياسة جديدة في ما يخصّ تصدير الطائرات من دون طيّار أميركية الصنع، ستزيل العوائق أمام دخول الطائرات الأميركية إلى الأسواق العالمية، وتحد من ضياع الفرص التصديرية لصالح الدول والشركات المنافسة، لكن هذا التصريح لم تتم ترجمته على أرض الواقع بشكل ملموس حتى الآن برغم تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتخفيف مُتدرّج لحظر التصدير على أنظمة الطائرات الأميركية من دون طيّار.