ميدانيات ليبيا: العملية العسكرية في الجنوب… ولقاء أبو ظبي

هل وصلت طرابلس الى قناعة بأن الحل الوحيد هو التعاطي مع المشير حفتر كلاعب رئيسي تسيطر قواته على ما يقرب من ثمانين بالمائة من مساحة البلاد الكلية، أم أن اللقاء يأتي في سياق اختبار نواياه؟

لقاء يأمل الجميع أن تكون له نتائج ملموسة، لا أن يكون مثل كل اللقاءات السابقة التي جمعت بين الرجلين
لقاء يأمل الجميع أن تكون له نتائج ملموسة، لا أن يكون مثل كل اللقاءات السابقة التي جمعت بين الرجلين

شهدت الأيام الماضية تطورات مهمة على المستويين الميداني والسياسي في ليبيا، فمنذ ساعات أتمّ الجيش الوطني سيطرته تقريباً على كامل المنطقة الجنوبية والجنوبية الغربية، ووصلت قواته إلى تخوم الحدود مع النيجر، وتمكنت في الجنوب الغربي من الوصول الى خط الحدود مع الجزائر.

كما ألتقى في أبو ظبي كل من قائد الجيش المشير حفتر ورئيس المجلس الرئاسي لحكومة طرابلس فائز السراج، في لقاء يأمل الجميع أن تكون له نتائج ملموسة، لا أن يكون مثل كل اللقاءات السابقة التي جمعت بين الرجلين، بما فيها اللقاء الذي احتضنته أبو ظبي سابقاً في آيار/مايو 2017.

فهل وصلت طرابلس إلى قناعة بأن الحل الوحيد هو التعاطي مع المشير حفتر كلاعب رئيسي تسيطر قواته على ما يقرب من ثمانين بالمائة من مساحة البلاد الكلية، أم أن اللقاء يأتي في سياق اختبار نوايا حفتر المقبلة، خاصة أن عين الجيش الليبي لم يعد أمامها سوى القوس الموجود أقصى الشمال الشرقي للبلاد، لتكتمل سيطرتها على كامل ليبيا؟.


عملية سريعة وناجزة في الجنوب

الجنوب الليبي
الجنوب الليبي

شكل الهجوم الذي شنته وحدات تابعة للمعارضة التشادية، على مقر اللواء العاشر التابع للجيش الليبي في منطقة "تراغن" جنوبي مدينة سبها، أحدى أهم مدن الجنوب الليبي، الشرارة التي أطلقت في منتصف الشهر الماضي العملية العسكرية لتأمين وتطهير كامل مناطق الجنوب الليبي من التواجد المسلح لمجموعات المعارضة السودانية والتشادية، وترافقت مع هذه العملية عملية عسكرية أخرى تحت أسم "طوق الحمادة" لتأمين مناطق الجنوب الغربي.

التقدم الذي تمّ إحرازه في عملية الجنوب كان على غير المتوقع سريع الوتيرة، وتمّ على ثلاث مراحل متعاقبة، في الأولى تمّت السيطرة على كامل مناطق مدينة سبها، بما فيها المرافق العسكرية والحكومية، بجانب السيطرة على مدينة غدوة الواقعة على بعد 70 كيلو متر جنوب سبها، وتأمين وتفعيل مطار سبها ومطار تمنهنت شمال شرق سبها، الذي تمّ إستخدامه بجانب قاعدة الوطية الجوية من أجل إدامة الدعم الجوي للعملية.

في المرحلة الثانية، تمّ التقدم جنوب وغرب سبها بإتجاه حوضي مرزق وفزان، في حوض فزان جنوبي سبها سيطرت القوات في هذه المرحلة على مدينة مرزق والمناطق الواقعة شمال غربها، وفي حوض مرزق جنوب غرب سبها سيطرت القوات على مدينتي جرمه وأوباري، ثمّ تمكنت من الدخول دون قتال الى حقلي الشرارة والفيل النفطيين.

في المرحلة الثالثة وسّعت القوات من سيطرتها جنوبي غرب أوباري، لتتمكن بعد السيطرة على مدينة العوينات، والمناطق الخمس التي تتكون منها مدينة غات "مركز المدينة، تهالا، الخيوت، البركت، أيسن"، من الوصول إلى خط الحدود المشتركة مع الجزائر في منطقة "أيسن".

خلال هذه المرحلة أيضاً سيطرت القوات على ما تبقى من مناطق جنوبي سبها، ومنها مدينة أم الأرانب، ومنطقتي تمسة وزويلة الواقعتين شرقها، بجانب مناطق فنقل وتراغن وجيزاو، وتمكنت من دخول مدينة القطرون الواقعة قرب الحدود المشتركة مع النيجر.

ولوحظ خلال فعاليات هذه العملية العسكرية التي لم يتمّ الإعلان عن انتهائها حتى الآن، أنها ترافقت مع اهتمام واضح بتحسين الأوضاع المعيشية والأمنية للسكان داخل البلدات التي دخلها الجيش، وأغلبها مدن لم تقاوم دخول عناصر الجيش بل كانت مرحبة بها، خاصة ان هذه المناطق عانت كثيراً خلال السنوات الماضية من تردي أوضاعها، وهذا أدى الى بروز أحتجاجات شعبية كبيرة كان أهمها حراك "غضب فزان"، ناهيك عن نشاط عناصر المعارضة التشادية والعصابات الإجرامية التي امتهنت تهريب الوقود والبضائع عبر الحدود، وخطف المواطنين، وتجارة المخدرات، وعمليات الهجرة غير الشرعية.

بالتالي كان دخول قوات الجيش إلى هذه المناطق، والأمن الذي بدأ الأهالي بملاحظته في شوارع مدنهم، وتوفر الوقود في معظم المحطات الموجودة في سبها ومحيطها من مدن، وكذلك تأمين وصول الشحنات الغذائية وطرود الأموال إلى أسواق ومصارف المنطقة الجنوبية، كلها عوامل أدت إلى سرعة التقدم على الأرض، بشكل كان مخالفاً لمعظم التوقعات.

الملاحظة الثانية تتعلق بتنفيذ وحدات الجيش الليبي لعدة عمليات عسكرية، ضمن إطار عملية "طوق الحمادة"، باتجاه المناطق الشمالية والشمالية الشرقية للبلاد، نستطيع أن نستخلص منها أنه هناك استعدادات من جانب الجيش الليبي، من حيث المبدأ، لشن عمليات عسكرية في اتجاه طرابلس.

من هذه التحركات قيام وحدات من الجيش بالتحرك من منطقة الشويرف شمالي سبها ودخول منطقة القريات الواقعة على مفترق طرق براك الشاطئ - غريان - غدامس، على بعد 290 كيلو متر جنوبي العاصمة، بجانب تحركات أخرى من الشويرف شمالاً بإتجاه تخوم مدينة السدادة جنوبي مصراتة، وفي اتجاه الشمال الشرقي على الطرق المؤدي إلى جنوبي سرت. يضاف إلى هذا تحرك قوات تابعة للجيش من مواقعها شمالي مدينة غدامس الحدودية غربي البلاد، في اتجاه مدينتي نالوت وتيجي، وتحركات من منطقة الحنيوة شرقي مدينة سرت شمالي البلاد الى منطقة العامرة التي تبعد عن سرت 65 كيلو متر فقط.

وإذا اضفنا ما سبق إلى ما أعلنه الناطق بإسم الجيش الوطني الليبي، حول مشاورات ولقاءات يتمّ عقدها في نطاق مدينة الزاوية ومحيطها، غربي مدينة طرابلس وأقصى شمال غرب البلاد، سنصل إلى قناعة بإن الجيش الليبي أصبح، بعد إنهاؤه منذ أيام للعمليات في مدينة درنة أقصى شمال غرب البلاد، مطوّقاً بشكلٍ كامل للمنطقتين اللتين تتبقى بهما قوات موالية او متحالفة مع حكومة الوفاق في طرابلس.

من النقاط البارزة أيضاً، كان الحجم الهائل من الدعم والتأييد الذي لاقته وحدات الجيش المتقدمة في الجنوب، فقد كان رهان طرابلس مبني على أساس أن قبيلتي "التبو" و"الطوارق" ستقاومان تقدم الجيش جنوباً وغرباً، ولكن ما حدث هو العكس تماماً، حيث كان تقدم الجيش في هذه المناطق بلا قتال بنسبة تصل الى 90 %من إجمالي هذا التقدم، حيث أنحصرت المعارك فقط في أوباري ومرزق وغدوة.

علاوة على ذلك، أعلنت عدة مدن وقرى في مناطق الجبل الغربي المتاخمة للعاصمة طرابلس، تأييدها للجيش وعمليته في الجنوب، منها قبيلة "أولاد صقر" في مدينة الزاوية، وفعاليات قبلية في مدن الرحيبات والريانية وصرمان وصبراتة وورشفانة والزنتان والرجبان والمطرد.

كما أعلنت كتائب عسكرية في مدينتي غريان والأصابع على التخوم الجنوبية لطرابلس دعمها للجيش، وهذا دفع وحدات المنطقة الغربية العسكرية التابعة للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق في طرابلس ان ترسل تعزيزات عسكرية إلى منطقة نسمة الواقعة الواقعة شرقي مدينة مزدة لقطع أي تواصل محتمل بين غريان وأقرب نقطة للجيش الليبي جنوبي طرابلس وهي الشويرف.

وقد انعكس جوّ التأييد للجيش وعملياته في الجنوب حتى على ضباط رئاسة أركان حكومة الوفاق، حين صرح رئيس الأركان عبد الرحمن الطويل تصريحاً لافتاً أفاد فيه أنّ القوات التي تنفّذ العملية العسكرية في الجنوب هي قوات تابعة للجيش الليبي، ما حدا برئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق بعزله وتعيين الفريق محمد على المهدي بدلاً منه.


الحل عسكري؟

 في خضم هذا التقدم للجيش جنوباً، جاء اللقاء المفاجئ بين حفتر والسراج في أبوظبي، في محاولة باتت متكررة للجمع بين الفريقين، لكنها هذه المرة تأتي في توقيت بات فيه لحفتر اليد العليا على الأرض عسكرياً وإقتصادياً، بسيطرته على نحو 80 بالمائة من الأرض، و90 بالمائة من الحقول النفطية.

اقليمياًـ تبدو فرنسا الأكثر تحمساً للتحركات الميدانية الأخيرة للجيش الليبي، وتبدو لديها رغبة واضحة في أن يستكمل الجيش الليبي تحركاته في اتجاه المناطق المتبقية في الشمال الغربي. فعلى الرغم من أن كافة الأطراف الداخلية والأقليمية والدولية، صرحت مراراً ان الحل في ليبيا هو سلمي وليس عسكري، وهذا ما أكد عليه البيان المشترك الأخير الذي صدر عن حكومات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا، إلا أن مسار السنوات الماضية، والنتائج التي ترتبت على اللقاءات الثنائية السابقة بين حفتر والسراج، ومؤتمري باريس وباليرمو حول ليبيا، كانت دوماً تؤكد على أن الحل في ليبيا على ما يبدو لن يكون إلا عسكرياً.

الأيام القليلة المقبلة ستحمل الإجابة على السؤال الكبير، هل تنجح مساعي النصف ساعة الأخيرة في تحويل دفة التطورات في ليبيا إلى الجانب السياسي، وعقد استحقاقات انتخابية متزامنة وتوحيد المؤسسات العسكرية والإقتصادية والسياسية والتشريعية، أم أن المعركة القادمة ستكون في طرابلس؟.