طرابلس … المعركة الحاسمة تبدأ

طرابلس تعلم جيداً أنه حتى لو تمّ إيقاف المعركة، فإن الهدف منها ومما قبلها قد تمّ بالفعل، والجميع عرف من بيده مفتاح الحلّ والسيطرة في ليبيا.

العاصمة طرابلس / الصورة من وكالة الأنباء الفرنسية
العاصمة طرابلس / الصورة من وكالة الأنباء الفرنسية

بشكل درامي، بدأ قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر، الفصل الأخير من رواية بدأت في أقصى الشرق الليبي عام 2014 تحت عنوان "معركة الكرامة"، وتعددت فصولها ما بين بنغازي ودرنة والكفرة وأوباري والهلال النفطي، وصولاً الى عملية السيطرة السريعة والحاسمة على كامل مناطق الجنوب الليبي خلال الأسابيع الماضية.

الفصل الأخير يتعلق بالسيطرة على ما تبقّى تحت سيطرة حكومة الوفاق الوطني ومجلسها الرئاسي من مناطق في أقصى الشمال الغربي الليبي، وتحديداً مدن سرت ومصراته وطرابلس. على الرغم من التلويح الدائم من جانب حفتر بإمكانية شن هذه العملية خلال الشهور الماضية. تمثل الظروف الحالية والتوقيت الراهن بكل تأكيد فرصة سانحة للجيش الليبي للتحقيق الكامل والناجز للهدف الرئيسي من عملياته، وهو إنهاء حكم الميليشيات في ليبيا.

إعلان قائد الجيش بدء عملية تطهير من المجموعات المسلحة البلاد، جاء في ظل ظروف سياسية داخلية كان كل من يراقب الملف الليبي بصورة سطحية ، يظن أنها تعكس قرب التوصل الى اتفاق سياسي بين الأفرقاء، فالمبعوث الأممي لليبيا تحدث عن الدعوة إلى عقد ملتقى وطني ليبي جامع سيعقد في مدينة غدامس منتصف الشهر الجاري من أجل بحث الأمور السياسية العالقة، وعلى رأسها توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات. لكنّ كل مراقب متمعن في الشؤون الليبية، يعلم جيداً أنه وبالنظر إلى مصير اتفاق الصخيرات السياسي، وبعده مؤتمر باريس ومؤتمر باليرمو، وما تمخض عن اللقاءات بين المشير حفتر ورئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق في طرابلس فايز السراج، سيصل إلى نتيجة مفادها أن المسافة بين الطرفين ومن ورائهما الأطراف الإقليمية والدولية الداعمة لكل منهما كبيرة جداً لدرجة تجعل الحل العسكري هو الأقرب والأكثر فعالية.

بدأت عملية الجيش الليبي باتجاه طرابلس بشكل يؤكد أن قيادة الجيش ومعها بعض الدول مثل مصر والإمارات العربية وفرنسا، على قناعة بأن الأطراف المقابلة في مصراته وطرابلس، ومن خلفهما في تركيا وقطر وحتى إيطاليا، باتت في موقف لا يسمح لها حتى بالتفاوض السياسي؛ وعليه فإن عملية الجيش الليبي تأتي في سياق فرض الأمر الواقع وإعطاء اليد العليا لحكومة طبرق، بحيث إذا تمت مفاوضات أو اتفاقات سياسية- ولو أن احتمال هذا يتضاءل يوماً بعد آخر- يكون لحكومة طبرق أفضلية كبيرة تستقيها من التأييد الشعبي المتزايد ومن النجاحات العسكرية على الأرض.

المظلة الإقليمية والدولية هنا مهمة وحيوية لأن دولا مثل تركيا وإيطاليا وحتى الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدي، وبالتالي تقف فرنسا والإمارات المتحدة ومصر بقوة مع الجيش الليبي في تحرّكه هذا، وبشكل خاص مصر التي كان لها في الشهور السابقة تحفظات على مثل هذا التحرك، الا أن استمرار الأوضاع على ما هي عليه، وتدفق الدعم التركي على مصراته وطرابلس، دفعا مصر الى دعم العملية الليبية. الطرف الأشد دعماً لهذه العملية هو فرنسا التي وجدت نفسها بعد مؤتمر باليرمو خارج سياق الحلّ في ليبيا في ظل تصاعد مستمر للنفوذ الإيطالي.

طرفا الصراع في الملف الليبيّ حفتر والسراج، عكفا خلال الأسابيع الماضية على تأمين تحالفاتهما الإقليمية، فزار حفتر الرياض والتقى العاهل السعودي وولي عهده، كما التقى في مقر قيادته بالرجمة شرق ليبيا، سفراء دول الاتحاد الأوروبيّ وكذلك وزير الخارجية الفرنسي والمبعوث الأممي الى ليبيا. أما عن رئيس المجلس الرئاسي لحكومة طرابلس فايز السراج، فقد التقى داعميه الرئيسيين أمير قطر في الدوحة، والرئيس التركي في إسطنبول، الى جانب استقباله قائد القيادة العسكرية الأميركي في أفريقيا، ووزير الخارجية الفرنسي. وعلى الرغم من أن الجانب السياسي كان الأساس في كافة المباحثات، كان الجميع يستشعر أن الحلول السياسية تتراجع يوماً بعد آخر في ليبيا. ولاسيما أن كلا الطرفين كان قد بدأ بالفعل في التحشيد خلال الأسابيع الماضية، فقوة حماية طرابلس الموالية للسراج أعلنت من أسابيع أنه تم عقد اتفاق بين منطقة طرابلس العسكرية والمنطقتين العسكريتين الوسطى والغربية للاتحاد تحت قيادة موحّدة.

وأعلنت المنطقة العسكرية الغربية التابعة لحكومة السراج فتحها باب التجنيد والتطوّع، وتخريجها دفعات من القوات الخاصة. أما الجيش الوطني الليبي فقد أعلن منذ أسابيع أنه وبأوامر من قائد الجيش، تمت إعادة آلاف المنتسبين السابقين الى الجيش الى الخدمة، وتم تخصيص مقرّ مؤقت لاستقبالهم في الجفرة، لإعادة تدريبهم في 12 مركزاً تابعاً للجيش.

في ما يتعلق بالتفاصيل الميدانية، فكما أشرنا في النافذة السابقة على الشأن الليبي، استفادت وحدات الجيش المنوط بها بدء عملية طرابلس، من نتائج عملية تأمين الجنوب الليبي، حيث نتج عن هذه العملية تموضع لوحدات تابعة للجيش في مناطق استراتيجية تحيط بشكل حيوي بالعاصمة طرابلس. ففي منطقة الشويرف التي تقع شمالي مدينة سبها، بدأت قوات الجيش أثناء توقف عمليات الجنوب وبعدها، بتنفيذ تحركات استطلاعية باتجاه المناطق الشمالية. فتحركت شمالاً وصولاً الى مدينة السدادة التي تقع جنوبي مصراته، وتحركت باتجاه الشمال الشرقي على الطريق المؤدي إلى التخوم الجنوبية لمدينة سرت، كما تحركت شمالاً على الطريق المؤدي إلى غريان جنوبي العاصمة طرابلس .

وعلى الخط الساحلي شرقي سرت تحرّكت وحدات من الجيش الليبي إلى مناطق الوادي الأحمر والعامرة، فيما تحركت في أقصى الغرب قوات أخرى من مدينة غدامس باتجاه نالوت وتيجي. ثم بدأت بشكل سريع عملية التقدم باتجاه العاصمة من ثلاثة محاور، بعد حشد نحو ثمانية ألوية في منطقة الجفرة. المحور الأساسي كان المحور الجنوبي للعاصمة، حيث انطلقت القوات من الشويرف، وسيطرت في أقل من 48 ساعة على منطقة مزدة التي تبعد 200 كلم عن العاصمة، ثم سيطرت على مناطق القريات والأصابعة وصولاً الى مدينة غريان التي تبعد عن العاصمة 75 كلم، ووصلت الى منطقة الهيرة المشرفة على حي العزيزية أول أحياء طرابلس الجنوبية. بعدها قامت القوات بتطوير هجومها على اتجاهين، الأول تمّت فيه السيطرة على العزيزية والهيرة، ثم تقدمت شمالاً الى منطقة الصواني وتمكنت من السيطرة عليها.. الاتجاه الثاني كان شرق العزيزية وتمّت فيه السيطرة على مناطق سوق الخميس وسوق الأحد وسوق السبت وأسبيعة وبئر العالم ووادي الربيع، ثم منطقة قصر بن غشير ومطار طرابلس، لتنتقل المعارك إلى داخل أحياء العاصمة وتحديداً حيي البريد والمطار، حيث بات خط الاشتباك حالياً يتركز على نقطتين، الأولى شمالي منطقة الصواني باتجاه منطقة الكريمية، والثانية في الاتجاه الشمالي الشرقي نحو منطقة عين زارة.

المحور الثاني للهجوم كان في غربي العاصمة، وفيه هاجمت قوات الجيش المدعومة بوحدات من الزنتان مدينة صرمان التي تقع على بعد 60 كيلو متراً من العاصمة، وتمكنت من السيطرة عليها مستفيدة من تأمين مواقعها الخلفية بفعل انضمام الوحدات الموجودة في صبراتة ومحيط صرمان أليها. بعد ذلك طورت وحدات الجيش تحركاتها وشنت هجوماً التفافياً على منطقة الزهراء وبوابة 27 في ورشفانة، وسيطرت عليها لتقطع التواصل بين مدينة الزاوية ومدينة جنزور.

هذا التحرك ترافق مع هجوم بحري شنته وحدات تابعة للجيش على نقاط ساحلية عديدة في طرابلس وعلى رأسها ميناء سيدي بلال، لكنّ قوات الجيش في هذا المحور تراجعت خلال الساعات الماضية بعدما تمكنت قوات تابعة لحكومة طرابلس من استعادة السيطرة على بوابة 27؛ وتتركز المعارك حالياً في هذا النطاق حول مدينتي الزاوية وجنزور.

المحور الثالث للهجوم هو المحور الأبعد عن العاصمة، ويشمل مناطق شرقي سرت، الذي يتم من خلاله إجبار وحدات قوة حماية سرت على عدم دعم قوات طرابلس، والتثبت في مواقعها داخل سرت. تحركات وحدات الجيش كانت في اتجاهين: الأول مواز للساحل انطلاقاً من مناطق الوادي الأحمر وسلطان والعامرة وبوابة الخمسين، ووصولاً الى منطقة وادي الحنيوة على تخوم سرت الشرقية. والاتجاه الثاني جنوبي المدينة وفيه وصلت القوات الى منطقة بوابة أبو هادي.

على مستوى ردود فعل قوات مصراته وطرابلس، كان الواضح ميدانياً أن هجوم الجيش الوطني اعتمد على المباغتة بعض الشيء. وكان الظن الأساسي لدى قادة الفصائل في طرابلس أن الهجوم سيكون على سرت حصراً، لذلك أعلنت قوة حماية سرت منذ فترة حالة الاستنفار،واستنفرت وحداتها المتقدمة في شرقي المدينة، وتحديداً في منطق بوابة بو زاهية على بعد 20 كلم. المعارك بين فصائل طرابلس وقوات الجيش الوطني كانت محدودة حتى الآن، وانحصرت في محيط غريان والمناطق التي تتوسط مدينتي الزاوية وجنزور، حيث شهدت هذه المنطقة النجاح الوحيد حتى الآن لوحدات طرابلس التي تمكنت في وقت متأخر من مساء أمس من استعادة السيطرة على منطقة بوابة 27.

وعلى الرغم من إعلان فصائل طرابلس ومصراته النفير العام، وصدور تعليمات واضحة للوحدات الجوية التابعة لرئاسة أركان حكومة الوفاق، بضرب وحدات الجيش الوطني المتقدّمة، الا أن الحشد الكبير على مستوى العتاد والعدة من جانب الجيش الوطني، وإمكانية حدوث انشقاقات داخل الفصائل المسلحة الموجودة في العاصمة، وقد حدثت أمور مماثلة خلال عمليات الجنوب الليبي؛ تضع تحديات كبيرة أمام حكومة طرابلس التي لا خيار أمامها سوى المراهنة على إطالة أمد المعركة، على أمل تدخل دولي سياسي لوقف المعارك. لكن طرابلس تعلم جيداً أنه حتى لو تمّ إيقاف المعركة، فإن الهدف منها ومما قبلها قد تمّ بالفعل، والجميع عرف من بيده مفتاح الحلّ والسيطرة في ليبيا.