طرابلس … حصاد شهر من المعارك

دخلت عملية الجيش الوطني الليبي، التي تستهدف السيطرة على العاصمة طرابلس، شهرها الثاني، في ظل معارك عنيفة تشهدها الجبهة الجنوبية للمدينة بمحاورها الأربعة، وهي معارك أثبتت خطأ كل من كان على قناعة أن العملية برمتها لن تستغرق سوى أيام قليلة. فإعتبارات عديدة محلية وإقليمية تساهم بشكل كبير في إبطاء وتيرة هذه العملية، وعلى رأس هذه الإعتبارات التكتيك الرئيسي الذي اتبعته قيادة الجيش الوطني الممثلة في المشير خليفة حفتر، والذي يتلخص في مبدأ "التفريغ والسحب".

تكتيكات وخطط الجيش الليبي في عملية طرابلس

في الأيام الأولي لعملية طرابلس، بدا للوهلة الأولى أن الجيش الوطني سيبدأ المعركة من كافة الجبهات المحيطة بالعاصمة، فتحركت قواته في التخوم الغربية للعاصمة من مناطق جنوبي مدينة صبراتة وسيطرت على مدينة صرمان، ومن ثم طورت هجومها للالتفاف حول مدينة الزاوية وقطع التواصل بينها وبين العاصمة، وتمكنت من هذا لفترة وجيزة سيطرت فيها على بوابة الـ27 ووصلت إلى ميناء سيدي خميس، إلى أنها بعد أيام من بدء المعركة تراجعت من هذه المناطق وأبقت على سيطرتها على مدينة صرمان، لتتوقف العمليات في هذه الجبهة بشكل شبه كامل، واقتصرت التحركات في هذه الجبهة على محور الزهراء الذي يقع جنوبي مدينة الزاوية. توقفت العمليات أيضاً في المحور الشرقي للعاصمة، وهو محور بعيد قليلاً لأنه يقع شرقي مدينة سرت، وفيه تقدمت القوات في بداية العمليات في أتجاه التخوم الشرقية لمدينة سرت ووصلت الى الكيلو 50، وقامت وحدات أخرى بالتقدم الى التخوم الجنوبية للمدينة، ونفذت محاولة التفافية لعزل المدينة من جهة الشرق، لكن انتهت هذه المحاولة بعد ساعات دون تحقيق النتيجة المرجوة، لكن في الساعات الماضية بدء تحشيد جديد لقوات الجيش الوطني، والتي أقتربت أكثر من التخوم الشرقية لسرت، وتحديداً سيطرت على كتيبة الدفاع الجوي التي تقع على بعد 40 كيلو متر شرقي سرت.


مع مرور أيام المعارك، اتضح أن المحور الأساسي لخطة هجوم الجيش الوطني على طرابلس هو المحور الجنوبي، وقد بدأت العمليات فيه بالسيطرة على عدة مناطق على رأسها مدينة غريان، ومن ثم تقدمت القوات في اتجاه مناطق الهيرة والعزيزية وصولاً إلى منطقتي السواني والكريميات، وتمكنت في خلال الأيام الأولى للقتال من تحقيق تقدم سريع في هذا الأتجاه، وهذا التقدم دفعها لتطوير الهجوم ليصبح متعدد المحاور، حيث تحركت القوات من محور العزيزية في اتجاه الشرق، وسيطرت على مناطق "النواحي الأربعة" ومن بينها سوق السبت وسوق الاحد وسوق الخميس وأسبيعة، ومن ثم انقسمت القوات إلى عدة محاور كلها في اتجاه الأحياء الجنوبية للعاصمة وموازية لمحور العزيزية، فأصبح هناك من الغرب الى الشرق محور مطار طرابلس، محور صلاح الدين - خلة الفرجان، ومحور قصر بن غشير، ومحور عين زارة، واخيراً محور طريق وادي الربيع الذي يطوق المدينة من جهة الشرق.


الموقف الحالي للعمليات هو المعبر عن التكتيك الأساسي المتبع من جانب الجيش الليبي في هذه العملية، فهو في محور العزيزية تراجع بشكل كبيرة من تخوم منطقة السواني جنوباً باتجاه منطقة الهيرة، مما سحب وحدات كثيرة تابعة لحكومة الوفاق من الأحياء الجنوبية للتمركز في هذه المناطق، وبالتالي أصبح من السهل استهدافها جواً، وفي نفس الوقت سمح هذا لقوات المحاور الموازية، خاصة محاور صلاح الدين وقصر بن غشير وعين زارة، بتحقيق تقدم كبير على مدار الأيام الماضية، نفس هذا الأسلوب تم إتباعه في محور مطار طرابلس، الذي تراجع عنه قوات الجيش الوطني عدة مرات ثم عادت إليه مرة أخرى، وكذلك حدث ذلك في مناطق أخرى مثل مقر اللواء الرابع في العزيزية، ومعسكر الكتيبة 42 في محور عين زارة. ايضاً مازالت قوات الجيش الوطني تضع في اعتبارها محاولة عزل العاصمة من الجهة الشرقية، وقد حققت تقدماً مهماً في محور وادي الربيع الذي أن تمكنت من السيطرة عليها بشكل كامل ستقطع الطريق الساحلي بين العاصمة ومنطقة القره بوللي، وقد أطلقت القوات خلال الأيام الماضية محور مساند لهذا المحور سيطرت فيه القوات على منطقة الزطارنة الواقعة شمال غرب مدينة ترهونة التي تقع جنوبي شرق العاصمة.

من أهم أسباب النجاح الذي اتسمت به عملية الجيش الوطني للسيطرة على طرابلس، هو حيازتها لتأييد مدن ومكونات شعبية ووحدات أمنية وعسكرية مهمة، فقد تمت السيطرة على مدينة غريان جنوبي العاصمة تقريباً دون قتال، وكذلك أعلنت كافة التشكيلات الأمنية في نطاق النواحي الأربعة تأييدها لقوات الجيش قبل ان تدخل الى هذه المناطق، كما أن مدناً رئيسية في تخوم العاصمة مثل الزنتان وترهونة وبني وليد أعلنت تأييدها لعملية الجيش الوطني، وقد دخلت وحدات منها ضمن تشكيلات الجيش الوطني في المعركة، مثل الكتيبة 52 من بني وليد واللواء التاسع مشاة من مدينة ترهونة ووحدات من مدينة الزنتان انخرطت في محوري قصر بن غشير ومطار طرابلس.

برغم ما سبق إلا أن قوات الجيش الوطني واجهت مقاومة كبيرة من جانب الوحدات الموالية لحكومة الوفاق الوطني، حيث أستمرت هذه القوات في محاولة التقدم جنوبي العزيزية في اتجاه نقطة التجميع الرئيسية للجيش الوطني في غريان، ونفذت خلال الأيام الماضية هجمات شرقي محور العزيزية ، سيطرت فيها بشكل مؤقت على منطقة أسبيعة، وكذلك نفذت هجمات مضادة في محور صلاح الدين تمكنت فيها من السيطرة لفترة وجيزة على معسكر اليرموك الواقع في منطقة خلة الفرجان. ومن الجدير بالذكر، أن الوحدات التابعة لحكومة الوفاق أتبعت تكتيك تم إستخدامه في عدة نزاعات مسلحة إقليمية خاصة في العراق وسوريا، وهو محاولة تشتيت جهود القوات المهاجمة، فقد تعرضت تمركزات ومقار تابعة للجيش الوطني في مناطق بعيدة عن مسرح العمليات، لهجمات برية وجوية من جانب وحدات عسكرية وميليشيات موالية لحكومة الوفاق او تتبع لتنظيم داعش، من هذه المناطق قاعدتي الجفرة والوطية الجويتين وسط وغرب البلاد، اللتين تعرضتا لغارتين جويتين من قبل طائرات تابعة لحكومة الوفاق، كذلك تعرضت مناطق مثل مطار تمنهنت الواقع شرقي مدينة سبها، والبوابة 186 التابعة لقوة تأمين حقل الشرارة النفطي جنوبي غرب البلاد، ومقر الكتيبة 166 في مدينة سبها، لهجمات برية خلال الأيام الماضية.

 


الأسلحة والمنظومات المستخدمة في عملية طرابلس

الأغلبية الساحقة من العربات المسلحة التي تم إستخدامها حتى الآن من كلا الجانبين في معركة طرابلس هي عربات الدفع الرباعي المثبت عليها أسلحة متوسطة، منها رشاشات الدفاع الجوي الفردية والثنائية والرباعية وراجمات الصواريخ من عياري 107 و122 مللم، بجانب المدافع عديمة الارتداد والرشاشات المتوسطة. هذه النوعية من العربات تتسم بخفة الحركة وقدرتها على العمل في المناطق السكنية والوعرة على حد سواء، لكن إستخدم الجيش الليبي أيضاً بشكل محدود راجمات الصواريخ ومدافع الهاون ودبابات تي 54 وتي55، ومدافع الهاوتزر ذاتية الحركة من أنواع "بالميرا" و"أم 109" و"فوزيدكا"، بجانب عربات مدرعة متنوعة من أنواع بانثيرا والوحش وسبارتان. بجانب استخدام لافت للقواذف المضادة للدروع "كورنيت".


على مستوى العمليات الجوية، دفعت القوات الجوية الليبية بقاذفات سوخوي22 ومقاتلات الميج 21 والميج23، وفي المقابل شاركت من جانب حكومة الوفاق  مقاتلات الميراج أف1 "التي تم إسقاط الطائرة الوحيدة من نوعها في ترسانة حكومة الوفاق أثناء غارتها على قاعدة الوطية الجوية"، بجانب الميج 23 وطائرات الهجوم الأرضي سوكو جاليب. وقد كان ملحوظاً اعتماد القوات الجوية التابعة للجيش الوطني على مروحياتها المقاتلة من نوع "مي35" في تنفيذ إغارات ليلية على أهداف محددة داخل طرابلس، مع إحتمالية كبيرة لمشاركة طائرات دون طيار من نوع "وينج لونج" صينية الصنع في هذه الغارات، خاصة أنه تم العثور على بقايا صاروخ "أل جي-7" الصينى بعد إحدى الغارات على طرابلس، وهو من الصواريخ المستخدمة على متن هذا النوع من الطائرات. بالنسبة لأسلحة الدفاع الجوي، فقد تم إستخدام الصاروخ الصيني "أف أن-6" في إسقاط أحدي الطائرات التابعة لسلاح الجو الليبي، وهذا النوع من الصواريخ كانت قطر قد اشترت كميات كبيرة منها وأرسلتها الى كل من سوريا وليبيا خلال عامي 2011 و2012.

على المستوى البحري، يتوقع أن يكون للبحرية الليبية في الأيام القادمة دوراً مهماً، وحتى الآن اقتصر دورها في عملية طرابلس على هجوم بحري محدود على ميناء سيدي خميس على ساحل طرابلس، نفذت فيها إنزالا على الميناء بهدف السيطرة عليها، وقد ظهر في تسليح البحرية الليبية خلال هذا الهجوم وبعده، الزوارق الهجومية القابلة للنفخ، وهي زوارق حديثة لم تكن ضمن تسليحها سابقاً.