لبنان يحاول تبريد ساحته أمام تطورات المنطقة

استهدفت واشنطن بعقوباتها في اليومين الاخيرين قادة جدد من حزب الله، هم رئيس كتلة الوفاء للمقاومة في البرلمان اللبناني النائب محمد رعد، وزميله في الكتلة النائب أمين شري، ورئيس وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا. وهؤلاء الثلاثة يقومون بأدوار سياسية غير عسكرية في الحزب، وبالتالي فإنهم يشكلون جزءاً أساسياً من الروابط والتنسيق بين الحزب والدولة اللبنانية. وفي هذا معنى كبير للدرجة التي وضعت واشنطن العقوبات عليها في المرحلة الراهنة، وانعكاساتها على الساحة اللبنانية.

لبنان يحاول تبريد ساحته امام تطورات المنطقة
لبنان يحاول تبريد ساحته امام تطورات المنطقة

كثيرة هي المشكلات التي يعاني منها لبنان هذه الأيام، وهو البلد الخارج حديثاً من مخاطر الحريق الإقليمي الذي طاله من حدوده الشرقية مع سوريا طوال السنوات السبع الماضية، والتي انتهى منها بصورةٍ كاملة على المستوى العسكري، وشبه كاملة على المستوى الأمني، باستثناء حوادث متفرقة غير خطرة على مجمل الأمن الوطني. لكن مع انخفاض المخاطر العسكرية والأمنية، ترتفع في السنتين الأخيرتين المخاطر الاقتصادية والمالية والتي وصلت إلى حد الخطر على النقد في الأشهر الماضية.

غير أن الشغل الشاغل اليوم للأطراف اللبنانيين كافة، لا سيما المنضويين ضمن قوى المقاومة، هو المسار الجديد الذي صعّدته الولايات المتحدة الأميركية ضد إيران وحلفائها، ومنهم حزب الله في لبنان، والمخاطر التي تلوح على حلفاء الحزب أيضاً في الداخل، وأكثر من ذلك المخاطر التي قد تطال الدولة اللبنانية وماليتها العامة من جراء هذا المسار المستعر.

استهدفت واشنطن بعقوباتها في اليومين الاخيرين قادة جدد من حزب الله، هم رئيس كتلة الوفاء للمقاومة في البرلمان اللبناني النائب محمد رعد، وزميله في الكتلة النائب أمين شري، ورئيس وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا. وهؤلاء الثلاثة يقومون بأدوار سياسية غير عسكرية في الحزب، وبالتالي فإنهم يشكلون جزءاً أساسياً من الروابط والتنسيق بين الحزب والدولة اللبنانية. وفي هذا معنى كبير للدرجة التي وضعت واشنطن العقوبات عليها في المرحلة الراهنة، وانعكاساتها على الساحة اللبنانية.

بموازاة ذلك، تزيد واشنطن من ضغطها على ايران من خلال العقوبات الجديدة ايضاً. وهذا في الداخل اللبناني يطرح أمام الفرقاء السياسيين خيارات جديدة تتناسب مع اتجاه الامور.

قبل ايام، شهدت منطقة الشحار في الجبل اللبناني حادثةً تعبر عن مدى التوتر في العلاقات الداخلية بين الاحزاب اللبنانية، وتأثير الخارج عليها. اطلاق ونار وقطع طرقات وضحيتان سقطا خلال محاولة قطع طريق على وزراء (من الحزب الديموقراطي اللبناني والتيار الوطني الحر وهما من حلفاء المقاومة) زاروا منطقة ذات اغلبية تؤيد الحزب التقدمي الاشتراكي (وسط ومن الحلفاء التقليديين للسياسة الاميركية).

الحادثة بحد ذاتها أدت بنتائجها المباشرة الى رفع التوتر الى اقصى درجاته، وعطلت اجتماعات الحكومة، وخففت من لقاءات اللجان النيابية، وسممت الاجواء بين مختلف الاحزاب، واعادت الخطاب السياسي الى ايام سابقة كان اللبنانيون يعتقدون انها ولّت الى غير رجعة.
وفيما يستمر النقاش الحاد بين القوى السياسية حول احالة هذه الحادثة على المجلس العدلي او ابقاءها في القضاء العادي، والمجلس العدلي اعلى هيئة قضائية تعنى بالقضايا الكبرى التي تطال امن الدولة او التي تستهدف السلم الاهلي وتخاطر بفتنة داخلية؛ تستشعر قوى أخرى منها حزب الله وحركة أمل مخاطر أكبر قد تتدحرج الامور باتجاهها. وهذا ما دفع برئيس البرلمان نبيه بري (وهو رئيس حركة أمل وحليف حزب الله) الى اطلاق مبادرة لمحاصرة تداعيات الحادثة وتطويق اثارها السلبية، من خلال آلية ثلاثية الأضلاع اعلن عنها، وهي العمل على المستويات السياسية والأمنية والقضائية بالتزامن.

واصحاب هذه الرؤية يرون ان مشروع ترامب في المنطقة يناسبه تدحرج الامور في لبنان واعادة تشكيل وتقوية فريق حليف لواشنطن ومناهض لقوى المقاومة في سياق صفقة القرن، وبالتالي استغلال حادثة الجبل لضرب العهد الحليف للمقاومة من خلال تعطيل المؤسسات الدستورية، واستغلال انشغال هذه القوى بمشكلاتها الداخلية لتمرير صفقة القرن من جهة ومنع مساعدة قوى المقاومة في لبنان لقوى المقاومة الفلسطينية في دفاعها بوجه الصفقة، ومن جهة ثانيك توطين الفلسطينيين في لبنان من خلال اغراءات مادية تتزامن مع الانفجار الامني في الداخل.

وهذا التحليل يعتبر ان الضغط على حزب الله وعلى الدولة اللبنانية على المستوى المالي يتناسب بقوة مع منطق الاحداث الاخرى في السياق ذاته. وبالتالي فإن وجود احداث متناسقة تفضي الى سياق متناسق قادر على ان يتحول الى مؤامرة متكاملة في حال لم تتخذ بوجهه خطوات جدية.

فريق المقاومة بدوره يرد بمحاولة تخفيف التوتر بخصوص هذه الحادثة، واعادة لم شمل اطرافه، وقد كان من ملامح هذه الجهود الموازية لمبادرة الرئيس بري، تبادل القناتين التلفزيونيتين لحركة أمل والتيار الوطني الحر استقبال وزير الطرف الآخر، مقابلة جبران باسيل عبر قناة NBN ومقابلة علي حسن خليل على قناة OTV.
هاتين المقابلتين أعادتا تهدئة الجمهورين المتراشقين عادةً على وسائل التواصل الاجتماعي، وأدتا الى انسحاب هذا الهدوء على جماهير الاحزاب الاخرى الذين استشعروا خطورة ما يجري واحتمالات تدحرج الأمور نحو الأسوأ.

وعلى المستوى المالي والاقتصادي، تستمر جهود اطراف هذا المحور بإبعاد التأثيرات الجانبية للعقوبات الاميركية على حزب الله عن المؤسسات الرسمية، وتخفيف اثارها على المجتمع اللبناني بشكل عام، وقد استنكر كل من رئيس مجلس النواب نبيه بري العقوبات، معتبراً انها غير مبررة ولا تساهم بحفظ الاستقرار، والرئاسة اللبنانية التي تلاقت مع الموقف نفسه.

هذه الادراك الدقيق لطبيعة المشروع المرسوم للبنان من قبل الادارة الاميركية، والالتفاف الناتج عنه والذي يُعمل على توسعته بين الاطراف اللبنانيين، يسهم في حفظ الاستقرار الداخلي، في مرحلة جنونية تناسب اسلوب ترامب المتوتر، عل المرحلة المقبلة تحدث تغييراً ما في نسق الادارة الاميركية، يجنب خيارات اكثر صعوبة.

لبنان في هذه الفترة يمشي على حبلٍ دقيق، لكنها مشية ثابتة، مستندة الى ادارة سياسية تعرف مكامن قوتها، وقبل كل شي غير مستعدة للتخلي عن هذه القوة، وأول عناوينها الوحدة الوطنية ومنع الاخلال بالامن الداخلي، وعدم القبول بالفصل بين المقاومة وشعبها وحلفائها والدولة اللبنانية.