«السفير» ١٣٥٥٢: تغيب.. ولا تنطفئ!

قبل 43 سنة، ومع صدور العدد العشرين من «السفير»، أمكن لأسرة التحرير أن تتنفس الصّعداء مطمئنةً إلى النجاح الممتاز للمغامرة... وكتب طلال سلمان، في ٤/٤/١٩٧٤ هذه الافتتاحية في تحية القراء الذين استقبلوا «السفير» كما لم تُستقبل أي جريدة من قبل، لعلّها تكون أطيب تحية وداع:
بعد 43 عاماً من تأسيسها صحيفة "السفير" تتوقف عن الصدور
بعد 43 عاماً من تأسيسها صحيفة "السفير" تتوقف عن الصدور
هل تسمحون ببعض الكلام الحميم، عن «السفير» وعن قراء «السفير»؟

بعد عشرين يوماً من الصدور يحق لنا أن نلتقط أنفاسنا لنقول ببساطة وباختصار وبصدق: شكراً.

ذلك أن نجاح «السفير» قد مكّن في نفوسنا الإيمان بالقيم والمفاهيم التي دفعتنا لإصدارها، وأثبت بالدليل الملموس أن زمان صحافة الإثارة الرخيصة و «الصرعات» وسياسة «اللاموقف» على وشك الانطواء، بعدما لعبت تلك الصحافة دوراً مدمراً في إفساد الذوق العام كما في ضرب ثقة الإنسان العربي بنفسه وبتاريخه، ناهيك عن حاضره ومستقبله.

كان يقال، وبصيغة جازمة: إن القارئ في لبنان لا يهتم بالأخبار والوقائع والحقائق والأحداث... إنه يهتم بالحكايات، بمباذل الزعماء ونوادرهم، بطق الحنك، بالأنكلة. إنه لا يريد أن يفكر، يريد فقط أن يتسلى!

وكان يقال، وبجدية المجرب: إن القارئ العربي عموماً هو قارئ صورة لا قارئ كلمة... انشروا له صورة مارلين مونرو وإلى جانبها صورة الزعيم السياسي فيقبل على الجريدة إقبالاً ليس له نظير!

وكان هذا التصور سبباً رئيسياً في عدم صدور صحيفة جديدة في بيروت منذ نيف وعشر سنوات، كما أنه كان سبباً في تحول كثير من الصحافيين الجديين إلى الاحتراف المهني البحت، أو في سقوطهم.

وهكذا وجدنا الكثيرين يتبرعون، عشية الصدور، بأسداء النصح لنا: ما لكم وهذه التجربة المرّة... حرام عليكم أن تحرقوا أعصابكم، في عمل مكتوب عليه الفشل سلفاً. لقد انقرض القارئ الجدي، قارئ الرأي والمقالة والتحقيق، وساد مزاج «ثقافي» جديد يبحث عن الدهشة لا عن المعرفة، وعن الثرثرة المسلية لا عن التعليق الرصين. القارئ يريد أن ينسى همومه، لا أن تضيف الصحيفة إليها مع كل صباح هموماً جديدة! تصور أن يدخل عليك رجل قبل قهوة الصباح بخبر مكدر، هل تستقبله بابتسامة وتودعه بمثلها أم تراك ستلعن سنسفيل أجداده؟!

ولأننا على شيء من السذاجة فإننا لم نفهم كيف يكون إطلاع القارئ على حقائق الموقف السياسي تكديراً له!

ولأن القارئ لا يقل عنا «سذاجة» فقد قبل منا أن نضيف إلى همومه كل صباح همّ أن يدفع ربع ليرة ثمناً لجريدة «السفير» وربع ليرة أخرى كي يتصل بنا هاتفياً أو يكتب إلينا رسالة ليبلغنا أنه سعيد بصدور هذه الصحيفة التي ستكون صوته وصوت الملايين مثله ممن لا صوت لهم.

نقطة أخرى سقطت بنجاح «السفير».

كان يقال إن القارئ في لبنان «محلي الاهتمامات»، وإن القارئ العربي لا يمكن أن يقرأ جريدة لبنانية تطغى عليها ـ بطبيعة الحال ـ الاهتمامات المحلية..

وجاءت تجربة «السفير» فأثبتت بالدليل الملموس أن هذه المعادلة مزورة من أساسها، وان المنطق الحقيقي لمروجيها هو المنطق الانفصالي.

فلقد ثبت ـ بالأرقام ـ أن القارئ في لبنان ليس مسيساً فحسب، بل إنه عربي الاهتمامات، وثبت ـ بالأرقام ـ أن القارئ العربي خارج لبنان يهتم بهذا الذي يحدث في لبنان شرط أن يقدم إليه كمادة إخبارية، عبر التحليل أو التحقيق أو التعليق السياسي، وليس عبر التشنيعات و «تركيب المقلة» و«المقدحة» وثرثرات «الأقطاب»... وأعظمهم شأناً ـ للمناسبة ـ أقدرهم على تزييف الحقائق، وأمكرهم في استغلال المشاعر الأكثر تخلفاً في النفس البشرية من العنصرية القبلية إلى التعصب الطائفي إلى الشبق السلطوي وحب النفوذ إلى الرغبة في إثراء سريع، لا يهم مطلقاً أن يكون مشروعاً أو غير مشروع.

إن القارئ في لبنان عربي، أولاً وأخيراً،

والقارئ خارج لبنان عربي، أولاً وأخيراً،

ولا بد أن تنجح صحيفة وحدوية التوجه، أصيلة العروبة في خطها السياسي،

فمثل هذه الصحيفة وطنية، بالضرورة،

والوطنية لا يمكن أن تتناقض مع العروبة، بل هي تبلغ كمالها بها،

والعروبة تكون تقدمية أو لا تكون على الإطلاق... فقد مضى وانقضى إلى غير رجعة ذلك الزمان الذي كانت العروبة فيه مرادفاً لليمين السياسي أو برقعاً تستتر خلفه التيارات الرجعية في الوطن العربي.

ومع سقوط تلك المفاهيم الخاطئة والمضللة فلقد بات ممكناً تحقيق المعادلة ـ الحلم: الوطنية والعروبة والكفاءة المهنية كلها جميعاً في صف واحد في مواجهة الإقليمية والرجعية والاحتراف المهني الارتزاقي.

فعلى أنقاض المعادلة القديمة التي كانت تقول إن الوطنية «هوبرة» والعروبة «نوبة عاطفية» و «الكفاءة المهنية» ملكة لا تتوفر إلا للجواسيس، على أنقاض تلك المعادلة البائسة قامت «السفير» وجاء نجاحها الباهر إشارة الى اندثار مفاهيم عفّى عليها الزمن، وسيادة مفاهيم جديدة... مفاهيم ملايين العرب المؤمنين بوحدة التاريخ والمصير، ووحدة المشاعر والاهتمامات... الجدية!

فالذي يأخذ ما يجري في لبنان، أو في أي قطر عربي، مأخذ الهزل، والهزل فقط، لا يمكن أن يكون جندياً صالحاً لمعركة طويلة ومريرة كالتي فرض على أمتنا أن تواجهها وأن تنتصر فيها على الثالوث القوي: الصهيونية والإمبريالية والرجعية.

وأقصى مطامح «السفير» أن تكون واحداً من جنود هذه الأمة المجيدة في معركتها الكبرى الدائرة رحاها منذ سنوات وسنوات.

وبهذا المعنى فهي جريدة مقاتلة،

وبهذا المعنى يصبح نجاحها قضية سياسية ذات دلالة، وبهذا المعنى يصبح شكرها لقارئها تحية لرفيق نضال في مسيرة طويلة ضمّت مواكبها أبطال تاريخنا جميعاً، ومنهم إبراهيم هنانو ويوسف العظمة، وفخر الدين الثاني وعمر المختار وعبد القادر الجزائري وعمر حمد وعبد الكريم الخطابي وعدنان المالكي وجول جمال وكمال ناصر وغسان كنفاني وعز الدين القسام وعبد القادر الحسيني وجمال عبد الناصر العظيم.

... وأيضاً منير المغربي وأحمد الشيخ محمود وياسين موسى الموزاني، شهداء كريات شمونة الأبطال.