"شظايا" ... تنديد بالقتل باسم الإله

في معرضه الأخير "شظايا" الذي احتل جدران غاليري جانين ربيز في الروشة في بيروت، يستدرج الفنان التشكيلي بسام جعيتاني مشاهديه للبحث والتنقيب في أعماله، ولا يترك المشاهد يتمتع بصورة تلقائية في تجواله بين قطعه، فقد اعتمد أسلوباً فيه لذة السعي للمعرفة، والاكتشاف، وغور الابعاد.
سعي جعيتاني في شظاياه هو التنديد بالقتل باسم الإله
سعي جعيتاني في شظاياه هو التنديد بالقتل باسم الإله
في معرضه الأخير "شظايا" الذي احتل جدران غاليري جانين ربيز في الروشة في بيروت، يستدرج الفنان التشكيلي بسام جعيتاني مشاهديه للبحث والتنقيب في أعماله، ولا يترك المشاهد يتمتع بصورة تلقائية في تجواله بين قطعه، فقد اعتمد أسلوباً فيه لذة السعي للمعرفة، والاكتشاف، وغور الابعاد.
تركّز الأعمال على التشويه الذي ألحقته الأحداث والتطورات في كثير من القيم والمفاهيم والصور، لكن أبرز ما يهتم به جعيتاني هو أعمال القتل باسم الإله، واستخدام الدين لتبرير الحروب والكراهية، وذلك في ما يظهر من حركات مسلّحة بأسماء مختلفة، تصارع، وتقتل.

سعي جعيتاني في شظاياه هو التنديد بالقتل باسم الإله.

لجأ جعيتاني إلى تقنية Anamorphic Projection التي سادت أعمال معرضه، وهي تقنية استخدمتها السينما منذ بداياتها، وفيها استخدام لقطعة من مرآة بمثابة شظية، تعكس حقيقة مشوّهة، فتنتظم الحقيقة فيها، وتعود إلى الشكل الأصيل الصحيح. والحقيقة هي أسماء الجلالة مصنوعة بطريقة معكوسة، وملتوية بهدف تظهير الموقف الرافض لاستخدامها في موضعها الخاطىء، وفي وظيفتها المشوّهة: الحروب.

ثلاثة مستويات يتبعها جعيتاني، ويضعها أمام المشاهد الذي يصل بواسطتها إلى فهم غاياته، وما يريد، وهي المستويات البصرية، والقراءة، والفهم. وإذا شاء تقبلها بعد استغراب ما يستعرض، فلأنه سبر أغوار الأعمال، وما تكتنزه أشكالها من مضامين، وما تتضمنه من غايات وأبعاد ورسائل. عملُ مكعب الغايات، والتقنيات، والأهداف، فيه الكثير من الحذاقة، والجهد، والإدهاش الذي يبدأ مع أول إطلالة على المعرض، ليرى بضع أشكال ملتوية، أقرب إلى الحروفية المتشقلبة، لا تشكل لوحات. هي صور حروفية متباعدة، ملتصقة على الجدران، لا يمكن اعتبارها من نظرة أولى عملاً فنياً، ولا معرضاً تشكيلياً متكاملاً.

والإدهاش الأكبر يتظهر بالتدريج كلما سبر المشاهد أغوار الأعمال التي تتطلب جهداً، واستدلالاً خارجياً، وربما مساعدة تفسيرية، وتفصيلية لإدراك المشهد، ومعانيه. ومع بدء الغوص في كل عمل، تبدأ الدهشة والمتعة في آن، ويتجاوز المشاهد خفة وطأة مطلوبة ومشتهاة للأعمال عليه، ككل عمل فني. فقاصد الفن يبحث عن متعة، وعن تأثير مما يعاين، وهو مهيأ مسبقاً لهذا التأثير من دون أن يحدد سلفاً ما هو، وكيف.

وفي معرض جعيتاني، يخوض المشاهد في تجربة فيها قساوة البحث قبل المتعة، خصوصاً إذا تجاوز اللوحة- الأم المعلّقة على زاوية يمين الصالة، وهي من أعمال ٢٠١٣، مختصة بتداعيات الحرب الأهلية اللبنانية التي استخدمت الدين في صراعاتها، وأنتجت عشرات آلاف الضحايا والمفقودين الذين تتناولهم اللوحة، وتركّز عليهم كنتيجة من نتائج الحرب.

من هذه اللوحة يُفترض الانطلاق نحو بقية الأعمال الخفيفة الظل والحضور، المتناثرة على الجدران تناثر الشظايا. بدايات شكلية للأعمال. ولكل منها حكاية وتسمية، لكن غالبها بمدلول واحد، وهو استخدام اسم الجلالة في الحروب، وتشويه الدين في ممارسات طاغية على المشهد.

في اللوحة الأم، مرآة كاملة في الوسط بشكل مخروطي (conic)، تشبه القنبلة الآيلة للانفجار. تعكس ما يحيط بها من عبارات وكلمات متداخلة بطريقة معكوسة من خط "الثلث" العربي التقليدي. العبارات هي أعداد القتلى والمفقودين في الحرب اللبنانية المتدحرجة من دون توقف. الكلام لا يمكن أن يُقرأ خارج المرآة، وهنا تكمن المهارة الفنية للعمل، حيث تتظهر الكلمات بشكل واضح في المرآة المخروطية. 

اللوحة الأم تشبه اللوحات الحروفية إلى حد بعيد، لكن ما بعدها وحولها من أعمال، لا تمت إلى اللوحات بصلة. كل واحدة منها تجهيز مسبق الغايات. 19 رقاقة حديدية على شكل حروف ملتوية، ومتشوّهة، هي جزء من أسماء الله الحُسنى ال99. هي أشبه بالشظايا المنثورة على الجدران، كما يقول الفنان. متباعدة، خفيفة الحضور، لا تترك انطباعاً معيناً، لكنها تشير إلى دلالات عميقة، خصوصاً متى عرف مغزى "استخدام قماش الكتان في لف كل شكل-شظية، بعد نقع القماش بسائل زنجاري يميل إلى الزرقة الخضراوية التي تستخدم لرد صيبة العين"، كما يوضح جعيتاني. والزرقة الخضراوية إشارة إلى الالوان التي تلف بها النعوش. القماش أشبه بالاكفان، واللون يستخدم لرايات بات متعارف عليه أنها إشارات دينية رمزية لمذاهب دينية معينة.

لكل تشكيل حروفي، قطعة - شظية من مرآة مخروطية. ولمعرفة الشكل المثبت على الحائط، يمكن حسم الموقف المرتبك، بالنظر إلى المرآة – الشظية، فيتظهر في كل واحدة، اسم من أسماء الله الحُسنى. منها: العالم، والبار، والغفور، والمؤمن، والخالق، والحق، والجبّار، والمالك، والرحيم، والقدّوس، وأسماء وصفات أخرى لاسم الجلالة.

أما الانعكاس، والتشويه، فمعروف الغايات، مرتبط مباشرة بالمغزى الأساس للمعرض: التنديد بأعمال القتل باسم الله، لما في ذلك من تشويه للاسم.

عمل فني- تركيبي يجمع التلوين، والنحت مع التجهيز، في حركة معقّدة تشير إلى موقف فكري-فلسفي ترفع معنى الأعمال من شظايا متباعدة تقطع انسياب بياض الجدران، إلى إشارات رافضة لاستغلال الدين في السياسة، وللقتل المتوحش باسم القيم.  

يقول جعيتاني: "ما أردته هو أن أقلب اسم الله الذي جرى تشويهه، إلى حقيقته الناصعة ومعانيه الروحية. وهي محاولة لأن ألف، وأُخبىء، وأندب نقاوة الدين".

"شظايا" عمل فني بأبعاد متعددة، جمع التجهيز والتشكيل، بالفلسفة والرأي والموقف، مع كيمياء اللون الزنجاري، وفيزياء الشكل الملتوي المصحح بشظية مرآة مخروطية. مجموعة غايات ووسائل تسخّر لهدف واحد. "أردت أن أقول للعالم إن الله موجود في قلوبكم، وليس موقعه في أي مكان آخر"، يختم جعيتاني.