دموع عراقية تساوي اللقب

لا يمكن اختصار البطولات الكبرى ككأس آسيا باللقطة الأخيرة عندما يرفع الفريق الفائز الكأس. ثمة لقطات مهمّة وتحمل معانٍ معبّرة كلقطتَي خروج العراقيين همام طارق تحديداً وعلي حصني من الملعب أمس متأثّرَين بإصابتهما وهما يذرفان الدموع حرقة. مثل هذه اللقطات تبقى في الذاكرة أيضاً.

دموع همام طارق أمس تعبّر عن الانتماء للوطن
دموع همام طارق أمس تعبّر عن الانتماء للوطن

كان المشهد بالغ التعبير ومؤثّراً في مباراة العراق أمس ضد قطر. قبل المباراة كان همام طارق مع زملائه يُنشدون النشيد الوطني العراقي. "موطني الجلال والجمال والسناء والبهاء في رباك. والحياة والنجاة والهناء والرجاء في هواك..."، كانت كلمات تخرج بتأثّر وحماسة من قلوب اللاعبين قبل حناجرهم. بدت الحافزية كبيرة لدى "أسود الرافدين" في المباراة وكان أداؤهم الأفضل. لكنها الدقيقة 36. في تلك اللحظة يسقط همام طارق على الأرض ويذرف الدموع. لم تكن دموع أوجاع بسبب الإصابة لكنها كانت دموع حرقة لعلمه بأنه لن يعود قادراً على استكمال المباراة. لن يكون قادراً على تقديم الواجب الوطني في هذه المباراة المهمة. هو من اللاعبين الأساسيين الذين يعوّل عليهم العراق. خرج همام وسط دموعه وتأثّره. لكن بعد لحظات غالب وجعه وعاد إلى الملعب. أراد التضحية على طريقته وفي مجاله لعراق لطالما قدّم أبناؤه التضحيات في سبيل الوطن. هذا دأبهم منذ الأزل.
لكن، لوهلة، في تلك اللحظة، عادت الذاكرة إلى سنوات طويلة خلت. إلى مونديال 1970، إلى المكسيك، إلى نصف النهائي بين ألمانيا وإيطاليا عندما تعرّض "القيصر" فرانتس بكنباور لإصابة بالغة في كتفه لكنه أبى أن يخرج في تلك المباراة التاريخية التي أُطلق عليها لقب "مباراة القرن". ربط ذراعه وأكمل المباراة حتى نهايتها. لم تكن في تلك البطولة الفرحة الشهيرة للأسطورة البرازيلي بيليه محمولاً من زميله جيرزينيو بعد التتويج باللقب هي اللقطة التاريخية الوحيدة حينها. لقطة بكنباور لم تقلّ أهمية لأنها تعكس أبلغ معاني الإيثار. رغم أن الفوارق كبيرة بين الحدثين وبين بكنباور وهمام إلا أن المعاني واحدة.
لكن همام أمس عاد وسقط مجدّداً. غلبته الإصابة القوية. بات أكيداً أنه لن يُكمل المباراة. بكى هذه المرة بحرقة وهو يُنقل إلى خارج الملعب. هنا المشاعر وليدة اللحظة. لا تكلّف فيها ولا اصطناع. هي، هنا، نابعة من صميم القلب. لم يتدرّب عليها همام كما يتدرّب على ركل الكرة. 
للمفارقة فإن بديل همام علي حصني سقط بدوره على أرض الملعب في الدقيقة 66 متأثّراً بإصابته وخرج من الملعب وهو يذرف الدموع بعد أن قدّم أداء جيداً في الدقائق التي شارك فيها، وليشكّل خروجه مع همام ضربة لمنتخب "أسود الرافدين". يا لسوء الحظ هذا!
هكذا ودّع العراق أمس البطولة. لن يكون البطل. في النهاية ثمة بطل واحد، لكن في بطولة كبيرة ككأس آسيا على غرار باقي البطولات والتي تستمر شهراً من الزمن لا يمكن اختصارها باللقطة الأخيرة، على أهميتها، حين يرفع المنتخب الفائز الكأس. ثمة لقطات أخرى، تعكس روعة الكرة وكُنهها باعتبارها أكثر من مجرّد لعبة. لقطة دموع همام طارق تحديداً وعلي حصني من بينها، في مقدمتها. هي دموع تعبّر عن الانتماء للوطن. هي دموع تساوي اللقب.
لا لم يخسر العراق بالأمس. لم يخسر ما دام فيه أبناء يذوبون، بمشاعرهم الصادقة، عشقاً للوطن.