من الرياضة إلى السياسة ومن قطر إلى الإمارات تطبيع مزدوج... فعلى من العتب؟

ما استرعى اهتمامنا في الآونة الأخيرة، الكمّ الهائل من الشتائم والقدح والتعيير بين شعبين شقيقين وجارَين خليجيين بسبب خسارة أحدهما في بطولة آسيا لكرة القدم. إنه لشيء مؤسف أن ينحدر العرب إلى هكذا مستوى، وإن كانت الرياضة حياة وأخلاق فإنها لدى جمهور الفريقين، أو المتعصبين منهم، أو حتى المفتنين، ليست كذلك!

إن كانت الرياضة حياة وأخلاق فإنها لدى جمهور الفريقين، أو المتعصبين منهم، أو حتى المفتنين، ليست كذلك! (أ ف ب)
إن كانت الرياضة حياة وأخلاق فإنها لدى جمهور الفريقين، أو المتعصبين منهم، أو حتى المفتنين، ليست كذلك! (أ ف ب)

تفنّن العرب في إيجاد الأسباب والمسببات التي تحول دون توحدهم، كشعب واحد له تاريخ ولغة و دين واحد، و عندما أبدعوا تفننا في عدم الوحدة، وبعدما أصبحت بعيدة المنال، أقلها بين قطبين، قطب ارتمى في أحضان أميركا وقطب آخر يرى فيها، أي أميركا، الشيطان الأكبر، راحوا يتفننون في إيجاد مسببات للحد من التفكير مستقبلاً في الوحدة و لدفن الأخوة العربية. فازداد الكره بين الدول وبين الشعوب حتى وصل إلى أبناء العشيرة الواحدة والعائلة الواحدة.

وما استرعى اهتمامنا في الآونة الأخيرة، الكمّ الهائل من الشتائم والقدح والتعيير بين شعبين شقيقين وجارَين خليجيين بسبب خسارة أحدهما في بطولة آسيا لكرة القدم. وإذا كانت خسارة اليابان في المباراة النهائية انتهت بعبارات الشكر للمنتخب القطري الفائز، فإن مباراة الامارات وقطر لم تنته هكذا لا بل أخذت الخسارة أبعاداً أخرى وكذلك فعل الربح.

إنه لشيء مؤسف أن ينحدر العرب إلى هكذا مستوى. عندما كنا ندافع عن شعوب بعض الدول التي اتخذ ساستها سياسات متآمرة، فإننا وللأسف الشديد لا نستطيع أن ندافع بالمثل في هكذا موقف. لا نعرف صدقاً حجم الواعين من جمهور البلدين وما نعرفه أن التفاهة دقّت باب الشعوب ودخلت من أوسع أبوابه باب الغباء والتعيير. وإن كانت الرياضة حياة وأخلاق فإنها لدى جمهور الفريقين، أو المتعصبين منهم، أو حتى المفتنين، ليست كذلك!

وبغضّ النظر عن كل ذلك، عندما يعاير الإماراتيون أشقائهم القطريين بعلاقات حكومتهم بالحكومة الصهيونية أو أن يفعل القطريون الأمر ذاته فتلك طامة كبرى، وإذا كنت تدري فتلك مصيبة وإذا كنت لا تدري فالمصيبة أكبر. كنا نتمنى أن نسمع عن شعب عاتب شقيقه لبث الفتنة والشقاق في دولة عربية شقيقة، أو أن يعاتبه مثلاً أو يعايره، لقواعد أميركا التي استباحت العراق وسوريا وليبيا. أو أن يعايره بوقوفه الى جانب تدمير ليبيا و قتل قادتها وتدمير بنيتها التحتية، أو يعايره بوقوفه الى جانب عزل سوريا من جامعة الدول العربية واستباحة سيادتها تحت مسمّى محاربة الإرهاب و تمويل الحرب فيها…  

أعزائي جمهورَي الفريقَين، إذا كانت قطر تفتح علاقات مع "إسرائيل" وتستقبل قادة الاحتلال على أرضها فإن الإمارات العربية المتحدة تفعل الأمر ذاته. للتذكير: بدأت قطر علاقاتها مع "إسرائيل" بعد مؤتمر مدريد وكان أول لقاء قطري إسرائيلي مع رئيس الحكومة الإسرائيلي وقتها شمعون بيريز بعد زيارته لقطر عام 1996 وافتتاحه المكتب التجاري الإسرائيلي في الدوحة وتوقيع اتفاقيات بيع الغاز القطري لإسرائيل، ثم إنشاء بورصة الغاز القطرية في تل أبيب. و منذ حينها والعلاقات المخزية مستمرة، وآخرها افتتاح مطعم اسرائيلي في الدوحة، وستكون قطر حتماً بالناتو مع إسرائيل في مواجهة إيران ومحور المقاومة.

وللتذكير أيضاً، زار وزير الهياكل الأساسية الوطنية في "إسرائيل"، أوزي لانداو، مؤتمراً للطاقة المتجدّدة في أبوظبي خلال العام ٢٠١٠. وكان أول وزير إسرائيلي يزور الإمارات العربية المتحدة. كما وافتتحت "إسرائيل" في عام ٢٠١٥ بعثة دبلوماسية رسمية لها هناك. و آخرها أو ما سمعناه مؤخراً، احتفال أعضاء البعثة الإسرائيلية في مباريات الـ "غراند سلام" للجودو في الامارات باستقبال يوم "السبت المقدّس" في أبو ظبي، وتأديتهم أغاني السبت اليهودية.

جميل أن يعاير شعب عربي مقاوم أخاً له في العروبة طبّع وتعامل مع دولة الاحتلال، أقلها تكريماً لأم الشهيد والأسير والمحاصر في فلسطين، والجميل أيضاً أن يعرف المعايرون أن تلك أمور معيبة ومهينة و عار على جبين من رضي بها، ولكن الأجمل أن يرفض جمهور الدول المطبّعة سياسات حكوماتهم وأن يرفضوا كل أشكال التطبيع وأن يقوموا بتفعيل سياسة المقاطعة حتى ترضخ لهم. فعذراً للجمهورين الشقيقين لفلسطين، إذ لم نسمع أبداً حتى بمظاهرة ترفضون فيها التطبيع.

وأخيراً، من كان بيته من زجاج لا يضرب جاره بالحجارة... وحجارة المقاومين صلبة.