منتخب الجزائر وجمهوره... درسٌ في الانتماء

عناصر قوة كثيرة اجتمعت في المنتخب الجزائري وقادته للتتويج بلقب بطولة أمم أفريقيا 2019 في مصر، لكن "الكلمة السحرية" كانت الانتماء للجزائر.

من مشاهد الاحتفالات بالتتويج في الجزائر العاصمة أمس (أ ف ب)
من مشاهد الاحتفالات بالتتويج في الجزائر العاصمة أمس (أ ف ب)

عناصر قوة كثيرة اجتمعت في المنتخب الجزائري وقادته للتتويج بلقب بطولة أمم أفريقيا 2019 في مصر. المهارات الفردية كانت حاضرة، واللعب الجماعي كان ميزة، كما أن المدرب الكفؤ جمال بلماضي بقراءته للمباريات وخياراته وتكتيكه وتبديلاته وتحفيزة اللاعبين كان عاملاً مؤثّراً، لكن قبل كل هذا فإن "الكلمة السحرية" التي أسهمت في انتصارات الجزائريين وتتويجهم وجعلتهم "محاربين" في الملعب فعلاً لا مجرد لقب كما يُطلق عليهم كانت الإنتماء. الإنتماء للجزائر قبل أي شيء.
هذا الانتماء يمكن رؤيته مثلاً في قائد المنتخب النجم رياض محرز. هذا اللاعب ولد في باريس وكان بإمكانه اللعب لمنتخب فرنسا والتتويج بلقب المونديال لكنه ضحّى بكل ذلك ولبى نداء الجزائر. هذا اللاعب الذي لمع في الملاعب الإنكليزية ويلعب حالياً لأحد أفضل الفرق في العالم مانشستر سيتي وتحت قيادة أحد أفضل المدربين في العالم الإسباني جوسيب غوارديولا تعامل في المنتخب الجزائري مع زملائه كواحد منهم وكلاعب يستمع لتعليمات مدرّبه بلماضي. شكّل محرز مثالاً للانتماء لبلاده وعكس هذا في المباريات خلال تقبيله علم الجزائر على قميصه، وخارجه أيضاً عندما ردّ على جوليان أودول القيادي في حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرّف في فرنسا الذي تمنّى الفوز لنيجيريا على الجزائر في نصف النهائي.
هذا الانتماء رأيناه أيضاً في الروحية القتالية للاعبين في الملعب والرغبة الكبيرة لتحقيق الفوز وبذل كل مجهود حتى لو سالت الدماء لا العرق فقط كما حصل في المباراة النهائية عندما تلقّى المدافع جمال بلعمري إصابة قوية في وجهه وسالت الدماء منه بغزارة لكنه تابع المباراة كأن شيئاً لم يكن وحتى أنه استعجل العودة إلى الملعب بعد أن طلب منه الحكم الخروج لتلقّي العلاج.
هذا الانتماء رأيناه أيضاً في دموع بغداد بونجاح وتأثّره البالغ بعد إهداره ركلة الجزاء خلال المباراة أمام ساحل العاج في ربع النهائي وكذا دموع يوسف عطّال بعد تعرضه لإصابة قوية وعدم تمكنه من إكمال تلك المباراة بالإضافة لتأثّر اللاعبين خلال تنفيذ ركلات الترجيح في مشهد لقي تعاطف كثيرين.
في الحقيقة بدا لاعبو الجزائر في بطولة أمم أفريقيا كأنهم يؤدّون واجباً وطنياً لإعلاء اسم الجزائر أكثر من مجرّد خوض مباريات كبقية المنتخبات والبحث عن المجد الشخصي ككثير من اللاعبين. هذا الواجب كان يبدأ منذ قبل انطلاق المباريات مع الحماسة في إنشاد النشيد الوطني وكلمات "وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر" ولا ينتهي سوى مع صافرة نهاية المباريات.
غير أن هذا الانتماء لم يتميّز به اللاعبون فحسب بل أيضاً جمهورهم الذي رافقهم في مدرجات الملاعب المصرية وتفاعله معهم والشعب الجزائري في أرض الوطن، لتكون الصورة الأروع والمعبّرة والتي تقشعرّ لها الأبدان في احتفالات التتويج باللقب أمس خلال مرور الحافلة التي كانت تقلّ اللاعبين ومعهم الكأس في الجزائر العاصمة وسط الآلاف المحتشدة في الشوارع والساحات وعلى شرفات المنازل والمردّدة للشعارات والتي حملت أعلام فلسطين أيضاً كتعبير عن الانتماء لقضية الأمة الأساسية. كان المشهد مهيباً فعلاً. هذا هو الانتماء حقّاً.


الألوف احتشدوا للاحتفال مع اللاعبين (أ ف ب)
الألوف احتشدوا للاحتفال مع اللاعبين (أ ف ب)