البوصلة في أيدٍ أمينة

إن الحرب على سوريا اليوم هي حرب تصفية حسابات تاريخية يريدونها قاصمة ونهائية على سوريا تشرين التحرير، وسوريا طرد القوات الاسرائيلية من بيروت، وبناء محور المقاومة، والدفاع عن الحقوق العربية.

  • مؤامرة اليوم على سوريا هي محاولة للانتقام من تاريخ حافل بالانتصارات بدأت في 6 أكتوبر
الصراع هو نفسه بعد 43 عاماً على حرب تشرين التحريرية، بعناوينه الكبرى ومضامينه وأطرافه المباشرة وغير المباشرة وطبيعة استحقاقاته وتضاد مصالحه وأهدافه، وهو صراع يمكن أن تحدّد نقطة البداية فيه ولكنك لا تستطيع أن تحكمه بمدى زمني أو فترة قياسية، ذلك أن طبيعته الوجودية تفرض منطقها الخاص عبر كل مرحلة تاريخية؛ وبما أنها كذلك فهي لا تقبل منطق التسويات العرجاء المفروضة انطلاقاً من موازين قوى راهنة أو على قاعدة ما يسمى بـ"تنازلات متبادلة"، كما أن له طابعه المتغيّر والمتحوّل بحيث يتخذ اشكالاً متباينة تجعل من العسير أحياناً التقاط عناصره الرئيسية والثابتة وسط الركام الهائل من الأحداث والوقائع التاريخية المتفاعلة والخامدة، والظاهرة والخفيّة. وكل ما هنالك أنه صراع يتسع أفقياً من حيث الاصطفافات، ويتعمّق شاقولياً من حيث بنية الحشد ومضمون المواجهة مع كل مرحلة جديدة، ليأخذ في ذروة توهجه كامل أبعاده، ويبلور حقيقة جوهره، بعيداً عن المناورات الكلامية البائسة والاستعارات اللفظية الممجوجة والتسميات المزيفة. 


إنه الصراع العربي الإسرائيلي الذي يشهد اليوم إحدى لحظاته الأشد كثافة وقوة وتجلياً، فالجيش الذي واجه في معارك الـ 73 التحالف الإسرائيلي الأميركي الأوروبي الغربي دفاعاً عن الكرامة والسيادة والحقوق الوطنية والقومية، لايزال يقاتل اليوم التحالف الصهيوني الأطلسي ذاته بأدواته الجديدة من تكفيريي القاعدة، الورثة الشرعيين لـ"مقاتلي الطليعة" الإخوانية، والمدعومين من ذات الرجعيين العرب المتحمسين دائماً لاختطاف أدنى بارقة أمل وإجهاض أي انتصار يلوح في الأفق، والمهرولين في كل وقت لعقد "اتفاقات سلام" على حساب أصحاب القضية والمتنطحين لمهمة "التفاوض" بدلاً منهم، المستعجلين للتطبيع مع عدو شعوبهم، والمتهافتين اليوم لخطب ودّ عتاة الصهاينة، مبشرين بتحالفات استراتيجية مخالفة للطبيعة وللحقائق التاريخية ضد "عدو" جديد جرى اختلاقه في أروقة البنتاغون والاستخبارات المركزية الأميركية.


ولأن الأمر كذلك، فإن الحرب على سوريا اليوم هي حرب تصفية حسابات تاريخية يريدونها قاصمة ونهائية على سوريا تشرين التحرير، وسوريا طرد القوات الاسرائيلية من بيروت، وسوريا الاعتراف بالحق والمقاومة بعد عملية "عناقيد الغضب"، وسوريا دحر الاحتلال الاسرائيلي من جنوب لبنان، ومناهضة احتلال العراق، ورفض الإملاءات الأميركية، وإفشال عدوان تموز 2006 والعدوان على غزة 2009، واحتضان المقاومتين اللبنانية والفلسطينية، وبناء محور المقاومة، والدفاع عن الحقوق العربية والانتصار لقضايا التحرّر العالمي في المحافل الدولية، وسوريا قيادة شعوب الشرق الأوسط نحو التحرّر من الخرائط والترسيمات الاستعمارية، التي حكمت المنطقة طوال قرن كامل على أرضية اتفاقات سايكس بيكو، من خلال ربط بلدان هذه المنطقة عبر مشروع البحار الخمسة.


ولكن سوريا التي فرض عليها موقعها الجغرافي وتاريخها النضالي ونزعتها القومية التقدّمية أن تكون قلب العالم وساحة للتعايش والتفاعل الانساني والتلاقي الحضاري، فُرض عليها أيضاً أن تكون مسرحاً للمواجهات العالمية وميداناً للتحوّلات التاريخية، فمنها انتشرت الديانات التوحيدية وانطلقت الامبراطوريات القديمة، وعلى أرضها تحطّمت الايديولوجيات التوسعيّة وتكسّرت الجيوش الأجنبية، ومنها شاعت أفكار القومية العربية والثقافة السياسية الحديثة والمدنية، وعليها تكالبت الأطماع الاستعمارية وتركّزت مطامح الهيمنة الامبريالية، وكان لا مفر لها من مواجهة هذا القدر الجيوسياسي والجيوستراتيجي، ولا مناص أمامها من الاضطلاع بعبء الرسالة التاريخية التي منحها إياها انتماؤها العروبي وهويتها القومية وعمقها الحضاري والتقدمي والمتنوّر، وبلورها لها البعث العربي الاشتراكي على امتداد عقود مديدة، رغم التضحيات المتتالية والجسيمة.


مؤامرة اليوم هي محاولة موغلة في إجراميتها للانتقام من تاريخ حافل بالانتصارات المجيدة التي بدأت في السادس من تشرين الأول/ أكتوبر، قبل ثلاثة وأربعين عاماً، بقيادة القائد المؤسس حافظ الأسد، ولاتزال تتواصل اليوم في ظل قيادة السيد الرئيس بشار الأسد، وإن على خارطة أوسع مساحة ومعطيات أشد تشابكاً وتعقيداً. ورغم أن من المفارقة أن أعداء الأمس لا يزالون هم أنفسهم وأن أصدقاء اليوم هم أصدقاء الماضي بدورهم، إلا أن في ذلك تكمن حقيقة أن الرؤية السياسية لاتزال على غاية من الوضوح وأن البوصلة لاتزال في الأيدي الأمينة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً