توفرت الديمقراطية وغاب الديمقراطيون

إن واقع الحال يكشف عن سیاسیین ونقابیین يأخذون من الديمقراطیة ما يخدم مصالحھم ويرفضون فیھا ما لا يتماشى وأھدافھم فھم بذلك يعتبرونھا أداة لتحقیق أھدافھم ولیس منظومة حكم على ضوئھا تسیر البلاد وإلیھا يلجأون كلما اختلفوا. فخطاب العديد من السیاسیین وسلوكھم وحتى من النواب المنتخبین انتخاباً حراً ونزيھاً بفضل بركات الديمقراطیة الناشئة يكشفان عن حقیقة خافیة، وھي أن داخل كل منھم يسكن ديكتاتور يترصد الفرصة لینقض على الحكم.

تونس بما تزخر به من أحزاب ومنظمات وطنیة تفتقر إلى من يقبل بقانون اللعبة وينصھر فیھا
تونس بما تزخر به من أحزاب ومنظمات وطنیة تفتقر إلى من يقبل بقانون اللعبة وينصھر فیھا

كلما تقدّمت بنا عقارب الساعة نحو استحقاق انتخابي جديد، أو اتضحت ملامح تغيير قادم في إدارة شؤون الدولة، إلاّ وظهرت سلبيات قديمة جديدة، خلناها انتفت بعد وضع قواعد دائمة للعملية الديمقراطية.

وما الصورة التي نقلتھا شاشة التلفزيون عما حدث في مجلس نواب الشعب إلا شكلاً من أشكال تلك السلبیات التي تضرب في الصمیم مسار انتقال ديمقراطي يتأكد يوما بعد يوم أن أسباب اضطراب تقدمه لا تعود للتشريعات أو الدستور بقدر ما يتسبب فیه المعنیون مباشرة بالعملیة الديمقراطیة والساھرون على حسن تطبیقھا.

إن تونس الیوم بما تزخر به من أحزاب ومنظمات وطنیة، بعضھا عريق، ومن مجتمع مدني وبما تنعم به طبقتھا السیاسیة من حرية وديمقراطیة تفتقر في حقیقة الأمر إلى من يقبل بقانون اللعبة وينصھر فیھا.

إن واقع الحال يكشف عن سیاسیین ونقابیین يأخذون من الديمقراطیة ما يخدم مصالحھم ويرفضون فیھا ما لا يتماشى وأھدافھم فھم بذلك يعتبرونھا أداة لتحقیق أھدافھم ولیس منظومة حكم على ضوئھا تسیر البلاد وإلیھا يلجأون كلما اختلفوا.

فخطاب العديد من السیاسیین وسلوكھم وحتى من النواب المنتخبین انتخاباً حراً ونزيھاً بفضل بركات الديمقراطیة الناشئة يكشفان عن حقیقة خافیة، وھي أن داخل كل منھم يسكن ديكتاتور يترصد الفرصة لینقض على الحكم.

ونفس الشيء إذا ما تعلّق الأمر ببعض النقابیین سواء الممثلین للعمال أو الأعراف والذين لا يتوانون في رميّ كل من يخالفھم الرأي بشتى النعوت وكأنھم الذين يملكون الحقیقة المطلقة، والذين بأياديھم مفاتیح أبواب الجنة الموعودة.

ومن مفارقات ھذا الزمن أن الحاكم ظل الحلقة الضعیفة الوحیدة في ھذه المنظومة فھو المطالَب بخرق القانون تحت الضغط وھو المطالَب بالتلاعب بالمالیة العمومیة للبحث عن استقرار اجتماعي ھشّ يقود البلاد بخطى حثیثة نحو الإفلاس، وقد بلغ ھذا الحاكم بأمر غیره درجة من الوھن ما جعله يبدو غريباً كلما رفع فیتو في وجه المطالَب أو سعى لفرض القانون إلى درجة جعلت عموم الناس وفي ظل ھذه الفوضى تتمنى حاكماً ديكتاتورياً مستنیراً وھو ما دفع بعض السیاسیین إلى إحیاء صورة الزعیم الراحل الحبیب بورقیبة دون أن يفلحوا في بعثه من جديد.

فتونس تعیش الیوم على وقع واقع معقد تطغى فیه الحسابات الضیقة والمصالح الذاتیة على المصالح العلیا للوطن، الشيء الذي حوّل العملیة الديمقراطیة إلى أداة في يد البعض لتحقیق غايات خاصة وضیقة بما يعكس طبیعة تفكیر مخالفة لمبادئ الديمقراطیة وللمضامین الدستورية والتشريعات والنوامیس المعلومة في التعامل السیاسي والأخلاقي ويكشف في الآن نفسه حقیقة مؤلمة وھو أن ھذا البلد وإن توفرت فیه ديمقراطیة ناشئة فإنه يفتقد إلى حد الآن إلى الديمقراطیین، فالديمقراطیة لیست رداء يضعه المرء على كتفیه كما يضع القاضي روبه أو الإمام عمامته لیتمیز عن الآخرين وينتصب قاضیاً أو واعظاً إنما ھي سلوك يومي ونمط حیاة..

وبقدر ما تمعّن الفرد في إيلاء الجزئیات الدقیقة اھتماماً خاصاً في تعاطیه السیاسي كلمّا تمیّز عن غیره بمزيد تشبّعه بمبادئ الديمقراطیة وأعرافھا لذلك فالخطاب المنفلت والاتھامات غیر المدعمة ورمي كل من يخالف الرأي ببیع ذمته أو العمل لحساب غیره ... كما الانتصاب كطرف وحید يھمه أمر الوطن أو محاولات إخراج الديمقراطیة من مؤسساتھا الذي اختارھا الشعب إلى الغرف المغلقة لا يؤكد إلا حقیقة واحدة وھو أن من يقوم بكل ذلك ھو من يريد إقبار الديمقراطیة الناشئة في المھد وما أكثرھم ..ولكن كذلك ما أكثر حاجة الوطن لديمقراطیین حقیقیین.