ملك المغرب في الريف وتوقعات بالانفراج الكبير

كثيرون توقعوا أن يعلن الملك محمد السادس في خطابه نهاية الشهر الجاري عن قرارات جريئة لجهة تحريك عجلة السياسة المعطلة في البلاد، لعل من بينها صدور عفو ملكي عن المعتقلين في حراك الريف.

ملك المغرب في الريف وتوقعات بالانفراج الكبير
ملك المغرب في الريف وتوقعات بالانفراج الكبير

في ظل مناخ سياسي متوتر نتيجة الانتقادات التي توجّه إلى الحكومة المغربية التي يقودها حزب العدالة والتنمية، إثر الفشل الذريع الذي أظهرته في معالجة عدد من الملفات الساخنة، وفي ظل ترقّب لما سيقوله الملك محمد السادس في ذكرى عيد الجلوس، التي تحل نهاية الأسبوع الجاري، حلّ العاهل المغربي محمد السادس بشكل مفاجئ بمدينة الحسيمة، عاصمة منطقة الريف التي شهدت احتجاجات قبل حوالي عامين، بنيّة قضاء عطلته السنوية، الأمر الذي أثار من التكهنات حول إمكانية أن يلقي خطابه هذه المرة من قلب المدينة، في بادرة سياسية قد تحدث انفراجا في المشهد السياسي.

وقد لا تكون مجرد صدفة أن ينتقل الملك في اتجاه الحسيمة من شمال البلاد، حيث اعتاد منذ سنوات قضاء عطلته السنوية في موسم الصيف، كعربون على المصالحة التي دشنها منذ توليه الحكم عام 1999، حين طوى صفحة الماضي السياسي لحقبة والده الراحل الحسن الثاني ووزير داخليته القوي إدريس البصري، وقام بجولة تاريخية شملت مختلف مناطق الشمال والريف كدلالة على بداية عهد جديد.

كما قد لا تكون مجرد صدفة أيضا أن يحل بالحسيمة في نفس اليوم الذي حلت فيه ذكرى رحيل والده في الثالث والعشرين من شهر يوليو، فلعل في ذلك التوقيت رسالة سياسية إلى المسؤولين، مفادها أن مشروع المصالحة الذي دشّنته الملكية قبل قرابة العشرين عاما لا يزال يراوح مكانه، بسبب البنيات العتيقة في جهاز الدولة، التي وجّه إليها الملك في خطابه العام الماضي نقدا لاذعا.

الواضح أن القصر يتابع بدقة مجريات الأحداث في منطقة الريف، فالاحتجاجات التي اندلعت في أكتوبر من عام 2016، في ظل أول حكومة يرأسها حزب العدالة والتنمية ويقودها عبدالإله بن كيران، وضعت تحت المجهر المخططات التنموية الجهوية في المملكة والأعطاب الإدارية والسياسية التي تقف خلف الإخفاقات المتكررة لتلك المخططات، التي كانت ترمي إلى إحداث مشروع تنموي متكامل، وإخراج بعض المناطق المعزولة من عزلتها وإدراجها ضمن رؤية تنموية أوسع، وخصوصا منطقة الريف التي عانت طويلا من التهميش تحت الحكومات السابقة. وقد التقط القصر تلك الإشارات التي صدرت عمّا يسمى حراك الريف، حيث أعلن الملك صراحة في خطابه أمام البرلمان في أكتوبر الماضي، عن فشل النموذج التنموي المغربي والحاجة إلى صياغة بديل مختلف.

ولم يغفل المراقبون الارتباط بين تلك الانتقادات وبين الاحتجاجات في الريف، إذ كان واضحا أن من بين دوافع تلك الاحتجاجات المطالبة بنموذج تنموي يقطع مع الريع والفساد والبيروقراطية.

بيْد أن خطاب يوليو من العام الماضي، في ذكرى عيد الجلوس، كان أقوى الخطابات الملكية في السنوات الأخيرة على الإطلاق. فقد انتقد الملك الطبقة السياسية، مستعملا لغة مباشرة دون تحفّظ، وقال إنه يقاسم المواطنين المغاربة عدم ثقتهم بها وبالمؤسسات السياسية المفروض فيها أن تكون في خدمة الناس، وربط بين المسؤولية والمحاسبة، ولوّح بالزلزال السياسي، في إشارة بدت واضحة إلى إمكانية إدخال تعديلات واسعة في البنيات الإدارية، كما طالب المسؤولين غير القادرين على المبادرة والقيام بمسؤولياتهم كاملة بمغادرة مناصبهم والاستقالة.

وقبل أيام قليلة خرج المستشار الملكي عباس الجيراري، بتصريحات ينتقد فيها أداء السياسيين والعلماء والمثقفين، وعدم انخراط المسؤولين في الرؤية الملكية للإصلاح، ومسؤولية النخبة السياسية عن فشل النموذج التنموي. وقد جرت العادة أن مستشاري الملك لا يدلون بتصريحات للصحافة خصوصا في القضايا الساخنة، وهو ما جعل الكثيرين ينظرون إلى تصريحات الجيراري بوصفها تندرج في إطار سياسة جديدة للتواصل الهدف منها فتح باب النقاش في التوجيهات الملكية المضمّنة في الخطب الأخيرة.

ويتوقع الكثيرون اليوم أن يعلن الملك محمد السادس في خطابه نهاية الشهر الجاري عن قرارات جريئة وحاسمة، لجهة تحريك عجلة السياسة المعطّلة في البلاد، لعل من بينها صدور عفو ملكي عن المعتقلين في حراك الريف، الذين صدرت في حقهم الشهر الماضي أحكام بالسجن وصفها بعض الفاعلين السياسيين بالقاسية وطالبوا العاهل المغربي بالتدخل لطي هذه الصفحة.

وقد دلّت التجربة التاريخية في المغرب الحديث على أن القرارات الكبرى في المحطات الحاسمة التي تجتازها البلاد تخرج من القصر، الذي يجمع العديد من المراقبين للوضع الداخلي على أنه يسير بوتيرة أسرع مما تستطيع الطبقة السياسية مسايرتها.