الغارديان: ترامب حقق المستحيل: توحيد إيران

وحّد اغتيال البطل الوطني الفريق قاسم سليماني بين حكومة إيران وشعبها المنهك نتيجة الحصار الاقتصادي الأميركي.

  • مسيرة تشييع الفريق قاسم سليماني في كرمان، إيران.

كتبت الباحثة في مركز "سنتشوري فونديشن" للدراسات دينا اسفندياري مقالة في صحيفة "ذا غارديان" البريطانية قالت فيها إنه بالنسبة للإيرانيين، كان اغتيال الفريق قاسم سليماني، قائد "قوة القدس"، مزعجاً بشكل عميق. كان سليماني أحد أكثر الرجال نفوذاً وقوة في جمهورية إيران الإسلامية. كان له تأثير أكبر من الرئيس، وكان يتحدث مع جميع الفصائل المختلفة، وكان له خط مباشر مع المرشد الأعلى. والأهم من ذلك، كان يحظى بشعبية بين عامة الناس. أظهر استطلاع للرأي، مع اندلاع الحرب ضد تنظيم "داعش"، أن 73٪ من الإيرانيين لديهم رأي إيجابي عنه. ومع ذلك، فإن الحشود الكبيرة التي خرجت (في تشييعه) في شوارع المدن في جميع أنحاء البلاد قد فاقت التوقعات. ومع ذلك، فإن إظهار الوحدة الهائل ليس مفاجئاً. فإيران - مثلها مثل أي بلد آخر – بلد لها عزة ووطنية، ويميل شعبها إلى وضع خلافاتهم جانباً عندما يكونون في مواجهة مع عدو خارجي.

وأضافت الكاتبة أن سليماني قد أشرف على السياسة الإقليمية لإيران، ونتيجة لذلك، فقد قضى حياته في الدفاع عن بلاده. وعندما اقترب "داعش" من الحدود الإيرانية بعد أن سيطر على مساحات واسعة من الأراضي في العراق المجاور في عام 2014، كانت "قوة القدس" في مقدمة الجبهة، حيث مثلت الدولة الوحيدة التي رغبت في نشر جنود على الأرض في المعركة لتدمير المجموعة. في حين أن الكثيرين في المنطقة اعتبروا سليماني شخصية مثيرة للجدل إلى حد كبير، فقد رأى عدد كبير من الإيرانيين والكرد والعراقيين أنه محوري في إيقاف تنظيم "داعش".

في الداخل الإيراني، تتقاطع هذه الشعبية بين خطوط الأحزاب والتيارات السياسية. أن تصبح بطلاً في المعركة هي إحدى الطرق لكسب شرعية واسعة، وهكذا فقد ثبت أنها كذلك في الموت كما في الحياة. ينظر الإيرانيون إلى مقتل أحد كبار المسؤولين في بلادهم باعتباره انتهاكاً للسيادة، وكان تأثير التجمع حول العلم الوطني ملحوظاً.

هذا لا يعني أن جميع الإيرانيين تغاضوا عن تصرفات سليماني في الخارج. في الواقع، ظل الناس لسنوات يشكون من مدى انشغال الحكومة في مكان آخر، حتى مع تدهور الوضع الداخلي. في عام 2018، ترددت هتافات "لا لغزة، لا للبنان، أعطي حياتي لإيران" و"اترك سوريا وفكر فينا" (وليس لأول مرة) في الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد. عندما كانت الأوقات الاقتصادية صعبة بسبب العقوبات، قبل الاتفاق النووي لعام 2015 واليوم، يجد الإيرانيون صعوبة في فهم سبب قيام حكامهم بصرف الأموال في المنطقة بدلاً من استخدامها في إيران.

لا يزال الإيرانيون العاديون يتعرضون للضغط من خلال حملة "الحد الأقصى من الضغط" التي يقوم بها دونالد ترامب، من دون أي احتمالات لتحسن الوضه. وأدى هذا، إلى جانب الاستياء العام، إلى احتجاجات كبيرة في تشرين الثاني / نوفمبر 2019. وأثار ذلك غضب الحكومة، لكنها سحقت التظاهرات بسرعة وفرض حظر على الإنترنت على الصعيد الوطني دام خمسة أيام. لكن اغتيال ترامب لسليماني وضع هذه المخاوف على الموقد الخلفي. بدلاً من ذلك، توحد الإيرانيون إلى درجة الوقوف وراء حكومتهم، من أجل مقاومة العدوان الأميركي المتزايد.

وهذا يعني أنه على الرغم من أن خسارة سليماني تمثل ضربة كبيرة لإيران، فإن الضربة الأميركية كانت بمثابة هدية للحكومة الإيرانية. لم يكن من الممكن أن تحلم بتحقيق هذه الوحدة في الأوقات الصعبة.

كان للاغتيال تأثير في جمع نخبة منقسمة، على الأقل في الوقت الحالي. تحدثت شخصيات بارزة من المعسكرين المحافظ والإصلاحي في انسجام تام، من المرشد الأعلى، الذي تعهد "بالانتقام"، إلى المرشح الرئاسي السابق وزعيم الحركة الخضراء، مهدي كروبي، الذي لا يزال قيد الإقامة الجبرية في منزله، والذي عبّر عن تعازيه. حتى وزير الخارجية الإيراني السابق في عهد الشاه، أديرشير زاهدي، وصف سليماني بأنه "جندي وطني ومشرف كان ابناً لإيران".

إن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عنى بالفعل أن المعتدلين قد أجبروا على تشديد مواقفهم. على سبيل المثال، لم تعد إدارة روحاني تدعم بنشاط الحوار مع الولايات المتحدة، وبدلاً من ذلك دعت بحذر لإجراء مناقشات حول شرط رفع جميع العقوبات مسبقاً. اليوم، حتى هذا الموقف أصبح صعباً. فمن في المؤسسة السياسية يمكنه أن ينفق رأسماله السياسي على اقتراح تقارب مع الولايات المتحدة بعد ما فعلته، والأهم من ذلك، بعد مستوى الحداد العام؟ الجواب سهل: لا أحد.

وختمت الكاتبة تقول إنه مع مقتل سليماني، "أنجز ترامب ما لم يكن أحد في النخبة الإيرانية يعتقد أنه ممكن إنجازه: لقد وحد الجمهور الإيراني المنقسم والمرهق واليائس في مظهر الوحدة... إنها رسالة مدوية للعالم: سوف يقف الإيرانيون مع حكومتهم في مواجهة التهديدات الخارجية".

*دينا اسفندياري هي باحثة في "مؤسسة القرن" (سنتشوري فونديشن) ومؤلفة مشاركة لكتاب "المحور الثلاثي: علاقات إيران مع روسيا والصين".

ترجمة بتصرف: هيثم مزاحم

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً