الصحافة الغربية تهاجم قرار ترامب: سابقة سترتد على الولايات المتحدة

حين قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوقيع على قرار منع مواطني سبع دول من الدخول إلى الولايات المتحدة وطرد الموجودين منهم، غفل عن مجموعة من الحقائق أو ربما تجاهلها عمداً. لكن الصحف الأجنبية ومنها الأميركية حرصت على استعراضها في إشارة إلى تداعيات هذا القرار ليس على المحظورين ولا على دولهم فحسب بل على الولايات المتحدة الأميركية نفسها إن لجهة تنامي خطر الجماعات الإرهابية على مصالح واشنطن أو لجهة ما يسيء إلى "قيم أميركا" في العالم.

الصحف الغربية وصفت قرار ترامب بـ"غير الأخلاقي"
الصحف الغربية وصفت قرار ترامب بـ"غير الأخلاقي"

صحيفة "نيويورك تايمز" شرّحت وفنّدت قرار ترامب الذي وصفته بـ"الجبان والخطير" إنطلاقاً من الفقرات التي تضمنها. وتوقفت عند ما ذهبت إليه غالبية الصحف الغربية بأن القرار انطلق من التهديد الإرهابي الذي شكّلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر ذروته لتلفت إلى أن الدول التي ينتمي إليها منفذو هجمات 11 أيلول/ سبتمبر مستثناة من القرار. 


ملاحظة ثانية توقفت عندها الصحيفة الأميركية تتعلق بما نصّ عليه القرار من ضرورة احترام وتأييد من هم من غير المواطنين الأميركيين لدستور الولايات المتحدة، ما يعني أنه "على كل الزائرين المؤقتين لأميركا بما في ذلك السياح والطلاب أن يدعموا الدستور وهو ما لا ينصّ عليه أي قانون" وفق ما تنقل "نيويورك تايمز" عن أحد أساتذة القانون، مشيرة من جهة ثانية إلى أن القرار ينتهك روح القانون الأميركي الذي يحظر التمييز على أساس العرق والجنس والجنسية ومحل الميلاد والإقامة في منح الجنسية، فضلاً عن تكريسه التمييز على الأساس الديني حين يقتصر المنع على اللاجئين المسلمين ويستثني المسيحيين.

 

وفي مقالة أخرى رأت الصحيفة أن ما تتضمنه هذه السياسة الجديدة من ظلم كاف للدفع بالمحاكم وأعضاء الكونغرس والمسؤولين في حكومة ترامب إلى إسقاطه فوراً. لكن ما هو أخطر من ذلك هو أن الجماعات المتطرفة ستستخدم القرار ذريعة لنشر فكرة تبدو اليوم أكثر مصداقية من أي وقت مضى وهي أن الولايات المتحدة تخوض حرباً ضد الإسلام بدلاً من استهداف الإرهابيين، وبالتالي سيزيد هذا المنع من ضرباتها للأميركيين مثيرة مزيداً من ردود الفعل المبالغ بها من قبل رئيس متقلّب وعديم الخبرة.


الصحيفة لفتت إلى أن القرار سيجعل حلفاء الولايات المتحدة يترددون كثيراً قبل تقديم المساعدة للعمليات العسكرية الأميركية. وسيكون مبرراً لهؤلاء قرارهم بعدم المجازفة بحياتهم من أجل حكومة جريئة بما يكفي لقصف بلدانهم لكنها في المقابل تخاف من تأمين ملاذ لمواطنيهم. وخلصت "نيويورك تايمز" إلى أن التاريخ سيذكر أعضاء الكونغرس الجمهوريين الذين التزموا الصمت أو وافقوا ضمنياً على القرار على أنهم "جبناء".   


تجاهل أجهزة مكافحة الإرهاب

المخاوف من تداعيات قرار ترامب ترددت أصداؤها في أوساط المسؤولين العسكريين وأجهزة مكافحة الإرهاب التي على ما يبدو تخطاها الرئيس الأميركي الجديد حين قرر اتخاذ هذا القرار. 


وفي مقالة بعنوان "ترامب يعيد تعريف العدو و15 سنة من سياسة مكافحة الإرهاب" قالت "واشنطن بوست" إن الرئيس الأميركي قرر الذهاب أبعد مما ذهب إليه جورج بوش وباراك أوباما في إعادة تعريف العدو الأخطر لأميركا. 
ونقلت عن مسؤول رفيع في مكافحة الإرهاب أن قرار ترامب لم يعتمد على أي تقارير استخباراتية كما جرت العادة في مثل هكذا قرارات في إدارتي باراك أوباما وجورج بوش. المسؤول الذي تحدث شرط عدم الكشف عن اسمه أكد "إن لا أحد من أجهزة مكافحة الإرهاب دفع باتجاه هذا القرار بل إن أحداً لم يُسأل عن رأيه بهذا الخصوص".


سابقة تقشعر لها الأبدان

روبرت فيسك الصحفي البريطاني المتخصص في الشرق الأوسط ذهب إلى حد اعتبار قرار ترامب التعسفي بحق اللاجئين بأنه "سابقة تقشعر لها الأبدان".
وفي مقالته في صحيفة "ذي اندبندنت" كتب فيسك يقول "فلتسمّه ما شئت نازياً، فاشياً، قاسياً، عنصرياً، غير ليبرالي. ما هو أخطر من ذلك أن ما قام به ترامب سابقة شريرة غير أخلاقية".

ولفت فيسك إلى أن "خمساً من الدول السبع التي شملها قرار الحظر سبق أن قصفتها أميركا على نحو مباشر أو غير مباشر، مع العلم أن أميركا فجّرت طائرة ركاب إيرانية في عام 1988 ولم تعترض على قصف إسرائيل طاقماً إيرانياً في سوريا. ما يجعل العدد يصل إلى ستة إذا ما استثنينا السودان".

الكاتب البريطاني ذكر بأن أربعاً من الدول التي شارك مواطنوها في هجمات 11 أيلول/ سبتمبر أي السعودية ومصر والإمارات ولبنان لا تظهر في اللائحة، "فالسعوديون يجب أن يظلوا محبوبين ومرفهين ومقبولين حتى حين يقومون بقطع الرؤوس أو يقوم مواطنوهم بضخّ الأموال النقدية للقتلة في داعش. أما مصر فيحكمها عبد الفتاح السيسي الرجل الرائع بنظر يصفه ترامب والمناهض للإرهاب. فيما لا يمكن المسّ بالإمارات الغنية".
يسأل روبرت فيسك في مقالته عن كيفية صمود الأميركيين بعد اليوم أمام اختبار القيم في ضوء "التشريع الخسيس" على حد تعبيره، وما هي القيم الأميركية في كل الأحوال؟ يسأل. 

"لا مشكلة بقصف الدول السيدة. ولا مشكلة باستخدام الطائرات من دون طيار للاعتداء على الرجال والنساء في البلدان الأخرى. ولا إذا سرق حلفاؤك أرض الآخرين وأسكنوا شعبهم، ولا بأس إذا دعمت الديكتاتوريات العربية التي تمارس التعذيب في سجونها طالما هي حليفة للولايات المتحدة. لا مشكلة في منح التأشيرات للسعوديين حتى لو كانوا أعضاء في المدرسة الوهابية الأكثر إلهاماً في العالم، وهذه العضوية تشمل حركة طالبان والقاعدة وداعش".

يتوقف فيسك عند استثناء المسيحيين من القرار، مذكراً بأن "من كانوا في شرق حلب كانوا في غالبيتهم من المسلمين. أما مسيحيو سوريا فقد طلبوا الحماية من بشار الأسد". لافتاً إلى "رسالة الكهنة المسيحيين في شمال سوريا بأنهم لا يريدون للناس أن يهاجروا إلى الغرب حيث ستضيع هويتهم في عالم علماني.. وترامب لا شكّ سيحرص على ذلك".


لا مهاجرين.. لا "آبل"

"وادي السيليكون" أو قطب التكنولوجيا الأميركية استنفر طاقاته وفرقه القانونية لحماية آلاف المهاجرين الذين يعملون في الشركات التكنولوجية الرئيسية في الولايات المتحدة.

صحيفة "ليبراسيون" التي نقلت مخاوف هذا القطاع الذي يضم كبريات الشركات العالمية كشفت عن وثيقة داخلية للرئيس التنفيذي لشركة "أبل" تيم كوك تعليقاً على القرار يقول فيها إن "لا وجود لأبل من دون المهاجرين"، علماً أن والد مؤسس الشركة الراحل ستيف جوبز كان مهاجراً سورياً.
وفق الصحيفة الفرنسية فإن شركات مثل "غوغل" و"مايكروسوفت" و"فايسبوك" تشغّل آلاف الموظفين من المهاجرين. ونقلت عن المدير التنفيذي لشركة غوغل ساندار بيشاي قلقه من تأثير القرار ووضع قيود على استقدام أشخاص موهوبين في هذا المجال إلى الولايات المتحدة. ويطال المرسوم الرئاسي الأميركي 187 موظفاً في هذه الشركة.
وكانت حذرت مايكروسوفت بدورها من أن هذه القيود ستؤثر على قدرتها في ملء جميع الوظائف في مجال البحث والتطوير بما ينعكس سلباً على قدرتها على الابتكار.
أمام هذا القرار أعلنت الشركات المذكورة ما يشبه حالة الطوارئ حيث شكلت خلايا قانونية واستشارية لمساعدة موظفيها. وقالت شركة "فايسبوك" نحن في طور تحديد تأثير القرار على موظفينا وإيجاد الطريقة الأفضل لحمايتهم مع عائلاتهم".