"نيويورك تايمز": قتل المسعفة رزان النجار جريمة حرب

قالت "نيويورك تايمز" إن تحقيقها قد وجد أن الرصاصة التي قتلت رزان النجار قد أطلقها قناص إسرائيلي على حشد كان يضم مسعفين طبيين بملابس بيضاء في أرض مكشوفة على مرأى من الجميع.

رزان النجار انضمت إلى صفوف شهداء غزة وسوف تظهر صورتها المبتسمة على الجدران واللوحات الإعلانية في جميع أنحاء القطاع
رزان النجار انضمت إلى صفوف شهداء غزة وسوف تظهر صورتها المبتسمة على الجدران واللوحات الإعلانية في جميع أنحاء القطاع

نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية تحقيقاً لمراسلها ديفيد م. هالبفينغر حول مقتل الممرضة الفلسطينية رزان النجار في قطاع غزة بنيران جيش الاحتلال الإسرائيلي، مشككة بالرواية الإسرائيلية بأن الأمر كان حادثاً ومستنداً إلى مقابلات وشهود ومئات الصور.

في يوم الأول من حزيران – يونيو 2018، أطلق جندي إسرائيلي النار على حشد مما أسفر عن مقتل مسعفة متطوعة تدعى رزان النجار. يزعم المسؤولون الإسرائيليون أن جنودهم يستعملون الرصاص الحي كملاذ الأخير. لكن تحقيقنا يظهر خلاف ذلك. فقد قمنا بتحليل أكثر من ألف صورة وفيديو، وتم تجميد تلك اللحظة القاتلة في نموذج ثلاثي الأبعاد للاحتجاج، وأجرينا مقابلات مع أكثر من 30 شاهداً ومع قادة في الجيش الإسرائيلي لكشف كيف قُتلت رزان.

وتقول الصحيفة الأميركية إن مسعفة شابة تضع حجاباً وتعمل في خطر، وحمايتها الوحيدة كانت معطف المختبر الأبيض. فعبر ضباب الغاز المسيل للدموع والدخان الأسود، تحاول الوصول إلى رجل ممدد على الأرض على حدود قطاع غزة. بينما الجنود الإسرائيليون يشاهدون بحذر من الجانب الآخر فيما أسلحتهم جاهزة.   وبعد دقائق، يتم إطلاق طلقة رصاصة من بندقية تمزق الضجيج، وتكون للدراما بين الإسرائيليين والفلسطينيين أحدث شخصية مأساوية.

ورأت الصحيفة أن العالم قد أخذ علماً بمقتل المسعفة رزان النجار (20 عاماً) لأيام قليلة في حزيران – يونيو 2018، بينما كانت تعالج الجرحى خلال الاحتجاجت ضد حصار "إسرائيل" لقطاع غزة. وحتى بعد دفنها، تحولت رزان إلى رمز للصراع، حيث الطرفان يتنافسان ويرويان روايات متبادلة حصرية عن مقتلها. إذ يراها الفلسطينيون شهيدة بريئة قُتلت بدم بارد، كمثال على تجاهل "إسرائيل" للحياة الفلسطينية. فبالنسبة للإسرائيليين، كانت رزان "جزءاً من احتجاج عنيف يهدف إلى تدمير بلدهم، مما يجعل القوة المميتة رداً شرعياً كملاذ أخير".

وقال شهود فلسطينيون في تغريدات إن رزان قد أصيبت بينما كانت ترفع يديها في الهواء. وغرّد الجيش الإسرائيلي بنشر فيديو تم تعديله بشكل مثير للإعجاب وجعله يبدو وكأنها توفر لك درعًا بشريًا "للإرهابيين".

وقالت "نيويورك تايمز" إن تحقيقاً أجرته وجد أن السيدة رزان النجار وما جرى لها عشية يوم الأول من حزيران – يونيو كان أكثر تعقيداً مما تسمح به أي من الروايتين. كانت كاريزمية وملتزمة، وتحدت توقعات كلا الجانبين. وفاتها كان مثالاً مؤثراً حول تكلفة استخدام "إسرائيل" لأسلحة المعركة للسيطرة على الاحتجاجات، وهي السياسة التي أودت بحياة ما يقرب من 200 فلسطيني.

كما يوضح تحقيق الصحيفة كيف أن كل طرف غارق في دوامة العنف التي تبدو لا حل ولا نهاية لها. فالفلسطينيون يحاولون هدم الشريط الشائك ويخاطرون بحياتهم لتسجيل نقطة وهم يعلمون أن هذه الاحتجاجات لا تصل إلى أكثر قليلاً من العلاقات العامة بالنسبة لحركة حماس، حركة المقاومة التي تحكم قطاع غزة. فيما "إسرائيل"، الطرف الأقوى بكثير، تواصل التركيز على الاحتواء بدلاً من إيجاد حل.

وتضيف "نيويورك تايمز" إنه في الحياة، كانت رزان النجار قائداً بالفطرة يصف بعض أقرانها شجاعتها بالتهور. كانت شابة مسعفة قادرة، وكانت إلى حد كبير من العصاميات التي علّمت نفسها بنفسها وكذبت حول نقص تعليمها. وكانت نسوية، وفقاً لمعايير قطاع غزة، وحطمت القواعد التقليدية للجنسين، وكانت أيضاً متفانية تجاه والدها، وكانت مميزة بشأن مظهرها وكانت تجمع ببطء جهاز العروس. لقد ألهمت الآخرين بحيويتها ورشاقتها في الخارج، في حين أنها كانت تعيش الرهبة بشكل خاص في أيامها الأخيرة.

وقالت الصحيفة الأميركية إن تحقيقها قد وجد أن الرصاصة التي قتلت رزان النجار قد أطلقها قناص إسرائيلي على حشد كان يضم مسعفين طبيين بملابس بيضاء في أرض مكشوفة على مرأى من الجميع. وأضافت أن إعادة بناء المشهد بالتفاصيل من خلال جمع مئات الفيديوات والصور تظهر أن لا المسعفين الطبيين ولا أي أحداً حولهم كان يشكل تهديداً ظاهر العنف للعسكريين الإسرائيليين. ورغم أن "إسرائيل" قد اعترفت في وقت لاحق بأن قتل رزان كان غير مقصود، وأن إطلاق النار يظهر أنه كان تهوراً في أحسن الأحوال، وربما جريمة حرب، لم يعاقب عليها أحد حتى الآن.

وتروي الصحيفة كيف أصابت رصاصة واحدة ثلاثة مسعفين وأسقطتهم أرضاً. فإعادة بناء المشهد من قبل "نيويورك تايمز" أكد ذلك: سقطت الرصاصة على الأرض أمام المسعفين، ثم انشطرت، وجزء منها صعد إلى أعلى واخترق صدر رزان النجار. وقد تم إطلاق النار من ساتر رملي استخدمه القناصة الإسرائيليون يبعد على الأقل 120 ياردة من حيث سقط المسعفون.

وقالت الصحيفة إنه يتم تصنيف قواعد الاشتباك للجيش الإسرائيلي بأنها سرّية. لكن المتحدث باسم الجيش اللفتنانت كولونيل جوناثان كونريكس قال للصحيفة إن القناصين يمكنهم إطلاق النار على أشخاص يشكلون تهديداً عنيفاً مثل "قطع السور وإلقاء القنابل".

وقالت الصحيفة إن تعمد إطلاق النار على عامل طبي، أو أي مدني، هو جريمة حرب. وسرعان ما اعترفت "إسرائيل" بأن قتل السيدة نجار لم يكن مقصودًا. وقال الكولونيل كونريكس "لم تكن الهدف. أي من الموظفين الطبيين لم يكن أبداً هدفاً."

لكن الجنود الإسرائيليين لم يبلغوا مطلقاً عن إطلاق نار غير مقصود. وقالت تقارير للجيش الإسرائيلي بعد العملية ان القناصة استهدفوا أربعة رجال في ذلك اليوم وأصابوهم جميعاً.

ووجدت "نيويورك تايمز" أن الأول والثالث والرابع من هؤلاء المتظاهرين كلاً منهم قد أصيب في ساقه تماماً في المكان والوقت كما قال الجيش الإسرائيلي، وقد أطلق كل منهم الرصاص على ساقه بالضبط متى وكيف قال الجيش أنهم كانوا. لكن الصحيفة لم تستطع تأكيد وصف الجيش الإسرائيلي لإصابة الشخص الثاني، والذي يتناسب مع وقت مقتل رزان النجار.

وقال الجيش إن الشخص الثاني هو رجل يرتدي قميصاً أصفر كان يرشق الحجارة ويسحب السياج. لكن "نيويورك تايمز" وجدت الرجل الوحيد في قميص أصفر في أي مكان بالقرب من خط النار لم يكن يفعل ذلك أو أي شيء آخر. كان يقف على بعد 120 ياردة من السياج ولم يشكل أي تهديد. حتى لو كان هذا الرجل هدفًا شرعيًا، تبقى مسألة المسعفين الطبيين الذين يقفون خلفه.

وقال قناصة إسرائيليون وأميركيون سابقون للصحيفة إنه سيكون من المتهوّر إطلاق النار إذا كان أي شخص غير هدف شرعي معرض للخطر. القتل المتهور يمكن أن يكون أيضًا جريمة حرب.

وقال البروفيسور ريان غودمان، الخبير في جامعة نيويورك في قوانين الحرب، والذي كان مستشارًا خاصًا للبنتاغون بشأن جرائم الحرب وقواعد الاستهداف، إن مفتاح ما إذا كانت الجريمة جريمة حرب قد ارتكبت هي إذا كان القناص مدركاً للخطر الكبير الذي قد يؤذي المدنيين. وأضاف غودمان: "قوانين الحرب لا تريد أن يقوم أي عسكري بتعمد إطلاق النار باتجاه العاملين الطبيين. "أنا لا أقول إنها قريبة من الخط. أنا اقول إنها تتجاوز الخط ".

وقال قائد إسرائيلي كبير لصحيفة نيويورك تايمز في أغسطس / آب الماضي إن ما بين 60 إلى 70 متظاهراً آخر في غزة قُتلوا من دون عمد، أي ما يعادل نصف العدد الإجمالي للقتلى في تلك المرحلة.

ومع ذلك، فإن قواعد الاشتباك في الجيش الإسرائيلي لم تتغير، كما يقول الجيش. هذا وحده قد يكون انتهاكًا منفصلًا للقانون الإنساني الدولي، ويقول الخبراء: "بعد موت عدد كافٍ من المدنيين، على القادة واجب القيام بتغييرات للتأكد أن المدنيين يستهدفون دون أي ضرورة لذلك".

وقال نوام لوبيل، أستاذ قانون الصراع المسلح في جامعة إسكس البريطانية: "تفقد حقك في أن تقول، عفوا"".

وقالت الصحيفة إن العدد الكبير من عمليات القتل العرضي، وفشل "إسرائيل" غي تعديل قواعد الاشتباك يثير السؤال عما إذا ذلك علة أو سمة من سمات سياستها.

وقال الكولونيل كونريكس إنه ليس كل الذين قتلوا عن غير عمد قد تم إطلاق النار عليهم عن غير عمد. فبعض الأحيان يستهدف الجنود إصابة أشخاص يعتبرونهم أهدافاً شرعية بأرجلهم. لكنهم يقتلونهم بدلاً من جرحهم.

وقالت الصحيفة إن "إسرائيل" تعتبر استهداف أعضاء حركة حماس مشروعاً سواء أكانوا مسلحين أم لا، كتفسير للقانون الدولي غير مقبول عالمياً.

وكما قال الكولونيل كونريكس إن قواعد الاشتباك كانت مجرد حدود عليا لاستخدام القوة، وأن الجيش الإسرائيلي يقوم بأشياء أخرى، مثل تدريب العسكريين عندما يتم تعيينهم لأول مرة في السياج، لكبح الإصابات بين المدنيين.

وقد أقر المحامون العسكريون الإسرائيليون بأنه كان هناك بعض سوء السلوك، لكنهم قالوا إنه ليس هناك جنود مشتبه بقيامهم بقتل متعمد لأي أحد لم يكن عليهم القيام به.

وفي 29 تشرين – أكتوبر الماضي، أي بعد نحو خمسة أشهر من مقتل رزان النجار، بدأ المدعي العام العسكري الإسرائيلي تحقيقًا جنائيًا في وفاتها.

لكن القائد البارز أخبر "نيويورك تايمز" في أغسطس / آب أنه لا توجد أي تسجيلات للجانب الإسرائيلي حول إطلاق النار. لم تكن لديه أية فكرة عن موعد إطلاق النار على السيدة النجار بالضبط. علم ذلك من صحيفة "نيويورك تايمز".

وتبدو "إسرائيل" راضية بالقول إن حماية حدودها هو أن عمل فوضوي. وقال العقيد كونريكس: "لسوء الحظ، نعم. في وضع كهذا، تقع الحوادث (غير المقصودة)، ونتائج غير مقصودة تقع."

وتختم الصحيفة أن رزان النجار قد انضمت "إلى صفوف أولئك الذين تم تكريمهم كشهداء غزة. سوف تظهر صورتها المبتسمة على الجدران واللوحات الإعلانية في جميع أنحاء الإقليم. لقد أصبحت رمزاً، وربما ليست رمزاً لما يأمله كل طرف، لكن رمزاً لانعدام الأمل ولصراع وللأرواح التي يهدرها.

 

ترجمة: د. هيثم مزاحم - الميادين نت