"ذا نيو ريبابليك": دلالات العدوان الإسرائيلي على سوريا

إن عدم تناسق سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط إلى جانب ميول ترامب الانعزالية يتركان "إسرائيل" بمفردها لمواجهة الوجود الإيراني إذ تشعر طهران وحزب الله بالجرأة بعد انتصار حليفهما، الرئيس السوري بشار الأسد، بينما يزيدان نفوذهما في البلاد.

 الانسحاب الأميركي يقوض مظهر الولايات المتحدة كحليف يمكن الاعتماد عليه في الشرق الأوسط
الانسحاب الأميركي يقوض مظهر الولايات المتحدة كحليف يمكن الاعتماد عليه في الشرق الأوسط

كتبت الباحثة الإسرائيلية إليزابيت تسوركوف مقالة في موقع "ذا نيو ريبابليك" الأميركي حول دلالات العدوان الإسرائيلي الأخير على سوريا والذي جاء بعد يوم من جولة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في الشرق الأوسط. والآتي ترجمة نص المقالة:

إن سلسلة الضربات الإسرائيلية التي هزّت دمشق وريفها الجنوبي تبدو أنها أشد موجة من الغارات الجوية التي تشنها "إسرائيل" ضد أهداف مرتبطة بإيران في سوريا منذ سبتمبر –أيلول الماضي. وجاءت هذه الغارات أيضاً بعد يوم من خطاب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو المناهض بصورة شديدة لإيران في القاهرة، كجزء من جولته في الشرق الأوسط التي استغرقت أسبوعًا، إلى جانب زيارة مستشار الأمن القومي جون بولتون، والتي كانت تهدف إلى طمأنة حلفاء الولايات المتحدة، في أعقاب قرار الرئيس دونالد ترامب المفاجئ بسحب القوات الأميركية من سوريا. وإذا جمعنا الغارات مع الجولة، تشير الأحداث إلى أن "إسرائيل" تشعر بأنها لا تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة الأميركية في جهودها لمواجهة طموحات إيران الإقليمية. فمن دون تدخل الولايات المتحدة أو روسيا لتقييد إيران، ستظل "إسرائيل" تقوم بضرب أهداف في سوريا، مما يزيد من فرص نشوب حريق واسع النطاق.

ومنذ أواخر عام 2012، شنّت "إسرائيل آلاف الغارات في سوريا، لمنع نقل السلاح المتقدم من إيران إلى حزب الله اللبناني عبر سوريا، ولمنع إنشاء قواعد إيرانية دائمة في البلد الذي مزقته الحرب. وبعد التدخل الروسي في الحرب السورية في أيلول - سبتمبر 2015، توصلت "إسرائيل" وروسيا إلى اتفاق يسمح لـ"إسرائيل" بمواصلة تنفيذ مثل هذه الضربات. وبموجب الاتفاق المبرم بين الطرفين، فان الجنود الروس المتمركزين داخل البطاريات المضادة للطائرات التي تنشرها روسيا في سوريا ستوقف أنظمتها فور إبلاغ "إسرائيل" لروسيا بغارتها المزمعة قبل دقائق من شنّها.

على أية حال، في أيلول - سبتمبر 2018، وصل كل هذا إلى نهايته عندما أسقطت الدفاعات الجوية السورية خطأ، رداً على غارة جوية إسرائيلية، طائرة عسكرية روسية، مما أسفر عن مقتل جميع أفراد الطاقم الـ15 الذين كانوا على متنها. وألقت روسيا باللوم على "إسرائيل" في مقتل جنودها، ونقلت بطاريات الدفاع المتطورة "أس 300" و"أس 400" إلى الجيش السوري، وتوقفت عن إيقاف أنظمة الدفاع الجوي الروسية، وطالبت موسكو "إسرائيل" بإخطارها قبل ساعات من أي ضربة على سوريا. في البداية، أوقفت "إسرائيل" جميع الهجمات في سوريا، لكنها بدأت بعد ذلك بتنفيذ هجمات أصغر. هجوم الأمس (الجمعة)، الذي يبدو أنه استهدف أربعة أماكن هو الأوسع منذ أيلول - سبتمبر الماضي، وهو يشير إلى إصرار "إسرائيل" على الاستمرار في مواجهة جهود إيران لنقل الأسلحة إلى حزب الله.

إن السياسة غير المتناسقة التي اعتمدتها واشنطن قد عقدت هذا الوضع منذ البداية. فهناك أيضاً سبب كبير للاعتقاد أنها ساعدت في إطلاق التزام إسرائيل بهذه الغارات داخل سوريا. فمنذ انتخاب ترامب، أعرب المسؤولون الإسرائيليون عن إحباطهم بشأن التباين بين خطاب إدارة ترامب المناهض لإيران وسلوكها على الأرض.

وأثناء محاولة بعض مسؤولي الإدارة الأميركية تحويل تدخل الولايات المتحدة ضد تنظيم "داعش" في سوريا إلى العمل لإعاقة التوسع الإيراني، رفض ترامب هذه الجهود. وعوضاً عن ذلك، فإن إعلانه المفاجئ في كانون الأول – ديسمبر الماضي عن قرار سحب انسحاب القوات الأميركية من سوريا قد حطم أي أمل بقي لدى صناع السياسة الإسرائيليين بأن الولايات المتحدة سوف تساعد في التصدي للطموحات الإيرانية في المنطقة. وفي هذا السياق، فإن اللغة العدوانية تجاه إيران في خطاب بومبيو في القاهرة يوم الخميس، تسلّط الضوء فقط على التباين بين التصرفات الأميركية والخطاب الأميركي.

فعلى الرغم من الانتقادات العلنية لإيران والانسحاب من الاتفاق النووي المعروف بـ"خطة العمل المشتركة الشاملة"  (JCPOA)، فإن إدارة ترامب في سنتيها الأوليين قد اتبعت سياسة تجاه سوريا مشابهة تقريبًا لسياسة إدارة الرئيس باراك أوباما، وهي سياسة تجاه الشرق الأوسط انتقدها بوبيو مطولاً في خطاب القاهرة.

لذا فإن إعلان كانون الأول- ديسمبر عن انسحاب الولايات المتحدة من سوريا، والذي احتفل به في طهران كانتصار، كان يعتبر ضربة كبيرة في "إسرائيل". يعتمد الأمن القومي الإسرائيلي على إظهار قوة الولايات المتحدة وسمعتها كحليف يمكن الاعتماد عليه. بينما تركز معظم الاهتمام الدولي على انسحاب القوات الأميركية من شمال شرق سوريا، وهي منطقة تخضع لسيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" التي يهيمن عليها الكرد، فقد كان المسؤولون الإسرائيليون قلقين بشأن انسحاب القوات الأميركية من التنف، في مثلث الحدود العراقية –الأردنية -السورية.

إن من شأن إزالة القوات الأميركية والمتمردين العرب السوريين الذين يدعموها في المنطقة أن يخفض بشكل ملحوظ  طول خط الإمداد البري، الذي استثمرت إيران لإنشائه، والذي يمتد من إيران، عبر العراق وسوريا إلى لبنان. حالياً، فإن إيران مجبرة على استخدام طريق أطول عبر دير الزور، شرق سوريا، لتخطي القوات الأميركية. وفي هذه المرحلة، من غير الواضح ما إذا كانت تأكيدات مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض جون بولتون لـ"إسرائيل"، والتي تفيد بأن القوات الأميركية ستبقى في التنف، تعكس إرادة ترامب وسياسة الولايات المتحدة في نهاية المطاف.

في ظل هذه القيود ومع تناقص التأثير بسبب الانسحاب الأميركي، فإن إسرائيل مصممة على مواصلة مواجهة نقل الأسلحة إلى حزب الله وإقامة قواعد عسكرية إيرانية. ولكن في شكلها الحالي، ربما تكون هذه معركة خاسرة: لقد فشلت مئات الهجمات الإسرائيلية منذ عام 2012 في منع حزب الله بشكل كبير من زيادة ترسانته من الصواريخ غير الموجهة والصواريخ الموجهة الدقيقة. فمثل هذه الضربات غير فعالة في مواجهة نفوذ إيران على الجيش السوري والمليشيات السورية المحلية التي تدعمها، ولا تفعل شيئاً بشأن الجهود الإيرانية لكسب قلوب وعقول المدنيين السوريين، بشكل رئيسي من خلال الإغاثة الإنسانية والمالية.

إن عدم تناسق سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط إلى جانب ميول ترامب الانعزالية يتركان "إسرائيل" بمفردها لمواجهة الوجود الإيراني خارج حدود (فلسطين المحتلة) الشمالية – وهو ليس وضعاً يحتمل أن يساعد أولئك في عالم الأمن على النوم ليلاً. وتشعر طهران وحزب الله بالجرأة بعد تحقيق نصر لحليفهما، الرئيس السوري بشار الأسد، ضد المعارضة المسلحة بينما يزيدان نفوذهما في البلاد. كما أن الانسحاب الأميركي يقوض بالضرورة مظهر الولايات المتحدة كحليف يمكن الاعتماد عليه في الشرق الأوسط، لكل من "إسرائيل" وآخرين.

لقد تركت "إسرائيل" مع عدد قليل من الخيارات. وستواصل القوات الإسرائيلية قصف عمليات نقل الأسلحة من حين إلى آخر، في حين تأمل ألا تقود هذه الغارات إيران إلى شحن الأسلحة مباشرة إلى لبنان عن طريق الجو. كما ستواصل "إسرائيل" إشراك روسيا في محاولة لجعل الكرملين يشجّع دمشق وإيران على وقف تعزيز الوجود الإيراني في سوريا. إن الصراع بين المصالح الإيرانية والإسرائيلية في سوريا، إلى جانب عجز روسيا أو عدم رغبتها في العمل كوسيط بينهما، يضمن أن تبقى سوريا ساحة لهذا التنافس الإقليمي. فخطوة واحدة خاطئة مع الصراع الموجود حالياً في سوريا قد تجعله يمتد إلى لبنان و"إسرائيل".

 

إليزابيث تسوركوف باحثة متخصصة في سوريا في "منتدى التفكير الإقليمي"، وهو مؤسسة بحثية إسرائيلية.

 

ترجمة: هيثم مزاحم - الميادين نت